الدين البهائي

نص كتاب الإيقان

كتاب الإيقان (معرّب عن الفارسية) - من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل.


بغاية الوضوح والصراحة. ومن عجب هذا الشخص أيضا أنه يدعو نفسه في كتابه من باب خفض الجناح، بأنه العبد الأثيم. أثيم في الكتاب، وعزيز بين الأنعام، وكريم في الاسم.


تفكر في الآية المباركة، حتى يثبت بوجه صحيح على لوح قلبك معنى: ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ۱٩۲. ومع وجود هذا فقد اعتقد به جمع، وأعرضوا عن موسى العلم والعدل وتمسكوا بسامري الجهل. وأدبروا عن شمس المعاني المشرقة في السماء الأزلية الإلهية، واعتبروها على زعمهم كأنها لم تكن.


وقصارى القول يا أخي، إن لآلئ العلم الرباني لا تتناولها يد إلا من المعدن الإلهي. ورائحة الريحان المعنوي لا تستنشق إلا من حديقة الأزهار الحقيقية. وأوراد علوم الأحدية لا تنبت إلا في مدينة القلوب الصافية. ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالّذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا۱٩۳.


ولما كان من المفهوم أن تغنيات ورقاء الهوية لا يدركها أحد إلا من أهلها، لهذا يجب ويلزم على كل نفس أن تعرض مشكلات المسائل الإلهية، ومعضلات إشارات المطالع القدسية على أصحاب الأفئدة المنيرة، وحملة أسرار الأحدية، حتى تحل المسائل بالتأييدات الربانية، والفيوضات الإلهية. لا بتأييدات العلوم الاكتسابية ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ۱٩٤.


ولكن يا أخي، إن الشخص المجاهد الذي أراد أن يخطو بقدم الطلب والسلوك في سبيل معرفة سلطان القدم، يجب عليه في بداية الأمر، أن يجعل القلب الذي هو محل ظهور تجلي الأسرار الغيبية الإلهية، مطهرا ومنزها عن كل غبرة مظلمة من غبار العلوم الاكتسابية، وإشارات المظاهر الشيطانية. ويجعل الصدر الذي هو سرير ورود وجلوس محبة المحبوب الأزلي لطيفا ونظيفا. وكذلك يقدس القلب عن كل ما يتعلق بالماء والطين. يعني أن يجعله مقدسا عن جميع النقوش الشبحية والصور الظلية، بدرجة لا يبقى في القلب آثار للحب والبغض، كيلا يميل به الحب عن جهة أو يمنعه البغض عن جهة بلا دليل. وذلك كما منع اليوم أكثر الناس لهذين الوجهين عن الوجه الباقي، وعن حضرة صاحب المعاني، وأصبحوا يرتعون بلا راع في صحارى الضلالة والنسيان. ويجب على السالك في كل حين أن يتوكل على الحق، وأن يعرض عن الخلق وينقطع عن عالم التراب، ويتمسك برب الأرباب. ولا يرجح نفسه على أحد، ويمحو عن لوح قلبه الافتخار والاستكبار، ويأخذ نفسه بالصبر والاصطبار، ويتخذ الصمت له شعارا. ويحترز عن التكلم بما لا فائدة فيه، لأن اللسان نار خامدة وكثرة البيان سم قاتل. فالنار الظاهرة تحرق الأجساد، ونار اللسان تكوي الأفئدة والأرواح. أثر تلك النار يفنى بعد ساعة، وأثر هذه النار يبقى قرنا من الزمان.


وعلى السالك أن يعد الغيبة ضلالة، وأن لا يخطو بقدمه أبدا في تلك الساحة، لأن الغيبة تطفئ سراج القلب المنير، وتميت الحياة من الفؤاد. يقنع بالقليل، ويزهد عن طلب الكثير. يعد مصاحبة المنقطعين غنيمة، والعزلة عن المتمسكين بالدنيا والمتكبرين نعمة. يشتغل في الأسحار بالأذكار، ويسعى في طلب محبوبه بتمام الهمة والاقتدار. يحرق حجاب الغفلة بنار الحب والذكر. يفر كالبرق عما سوى الله. يجود بنصيب على البائسين، ولا يتوقف عن العطاء والإحسان للمحرومين. ينظر بعين الرعاية للحيوان، فكيف بالإنسان، وأهل البيان؟ لا يبخل بالروح عن المحبوب. ولا يحترز عن الحق خشية شماتة الخلق. وما لا يرضاه لنفسه لا يرتضيه لغيره، ولا يقول بما لا يفي به، ويعفو عن الخاطئين عند كمال القدرة عليهم، ويطلب لهم المغفرة ويصفح عن العاصين ولا ينظر إليهم بعين الحقارة، لأن حسن الخاتمة مجهول. إذ كم من عاص يتوفق حين الموت إلى جوهر الإيمان ويذوق خمرة البقاء ويسرع إلى الملأ الأعلى. وكم من مطيع ومؤمن ينقلب حين ارتقاء الروح، ويستقر في أسفل دركات النيران.


والخلاصة أن المقصود من جميع هذه البيانات المتقنة والإشارات المحكمة هو أنه يجب على السالك والطالب أن يعلم ويعتقد بأن ما سوى الله فان، وما دون المعبود معدوم.


وهذه الشرائط هي من صفات العالين، وسجايا الروحانيين، ذكرت في شرائط المجاهدين،وسير السالكين في مناهج علم اليقين. وبعد أن تتحقق هذه المقامات في السالك المنقطع، والطالب الصادق يصدق في حقه لفظ المجاهد. وإذا ما صار مؤيدا بعمل: ﴿وَالّذينَ جَاهَدُوا فِينَا۱٩٥ فلا بد أن يستبشر ببشارة ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا۱٩٦.


وإذا ما أوقد في القلب سراج الطلب والمجاهدة، والذوق والشوق، والعشق والوله، والجذب والحب، وهب نسيم المحبة من شطر الأحدية، تزول ظلمة ضلالة الشك والريب، وتحيط أنوار العلم واليقين بكل أركان الوجود. ففي ذلك الحين يطلع البشير المعنوي كالصبح الصادق، من المدينة الإلهية بالبشارة الروحانية، ويستيقظ القلب والنفس والروح من نوم الغفلة بصور المعرفة، ويمنح حياة جديدة بديعة بتأييدات وعنايات من روح القدس الصمداني، بحيث يرى نفسه صاحب بصر جديد، وسمع بديع، وقلب وفؤاد جديد. ويرى الآيات الواضحة في الآفاق، والحقائق المستورة في الأنفس. ويشاهد بعين الله البديعة في كل ذرة بابا مفتوحا للوصول إلى مراتب عين اليقين، وحق اليقين ونور اليقين. ويلاحظ في جميع الأشياء أسرار تجلي الوحدانية، وآثار الظهور الصمدانية.


قسما بالله لو وصل السالك في سبيل الهدى، والطالب لمعارج التقى، إلى هذا المقام الأرفع الأعلى، لاستنشق رائحة الحق من مسافات بعيدة، ولأدرك صبح الهداية النوراني من مشرق كل شيء، ولدله كل ذرة على المحبوب. وهداه كل شيء إلى المطلوب، ولاستطاع أن يميز الحق من الباطل، ويفرق بينهما، كما يفرق بين الظل والشمس. فمثلا لو هب نسيم الحق عن مشرق الإبداع وهو في مغرب الاختراع، لاستنشق حتما شذى عبيره. وكذلك يميز جميع آثار الحق من كلمات بديعة، وأعمال منيعة، وأفعال باهرة، عن أفعال وأعمال وآثار ما سواه، كما يميز أهل اللؤلؤ اللؤلؤة من الحجر، وكما يميز الإنسان الربيع من الخريف، والحرارة من البرودة. وإذا ما تطهر مشام الروح من زكام الكون والإمكان، لوجد السالك حتما رائحة المحبوب من منازل بعيدة، ولورد من أثر تلك الرائحة إلى مصر الإيقان لحضرة المنان وليشاهد بدائع حكمة الحضرة السبحانية في تلك المدينة الروحانية. ولسمع جميع العلوم المكنونة من أطوار ورقة الشجرة لتلك المدينة. وليسمع من تراب تلك المدينة بسمعه الظاهر والباطن، التسبيح والتقديس لرب الأرباب. وليشاهد بعين رأسه أسرار الرجوع والإياب. فماذا أذكر من الآثار والعلامات، والظهورات والتجليات، المقدرة في تلك المدينة بأمر سلطان الأسماء والصفات؟ فيها يزول العطش بغير ماء. وتزداد حرارة محبة الله بدون نار. وفي كل نبت مستور حكمة بالغة معنوية. وعلى أغصان كل دوحة ورد ألف بلبل ناطق بالجذب والوله. ومن أورادها البديعة يظهر سر النار الموسوية. ومن نغماتها القدسية تبدو نغمة روح القدس العيسوية تهب الغناء بغير ذهب، وتمنح البقاء بلا فناء. مكنون في كل ورقة منها نعيم، ومخزون في كل غرفة منها مئة ألف حكمة.


والمجاهدون في الله بعد الانقطاع عما سواه يأنسون بتلك المدينة بحيث لا ينفكون آنا عنها يسمعون الدلائل القطعية من سنابل ذاك المحفل، ويأخذون البراهين الواضحة من جمال الورود ونغمات البلبل. وهذه المدينة تتجدد وتتزين في رأس كل ألف سنة، أو ما يقل عن ذلك أو يزيد.


فيا حبيبي، يجب بذل الجهد حتى نصل إلى تلك المدينة، ونكشف سبحات الجلال بالعناية الإلهية والألطاف الربانية، حتى نفدي أرواحنا الخامدة بتمام الاستقامة في سبيل المحبوب الجديد. ونعترف بكل عجز وانكسار لنفوز بهذا الفوز. وأما تلك المدينة فهي الكتب الإلهية في كل عهد. فمثلا في عهد موسى كانت التوراة، وفي زمن عيسى كان الإنجيل، وفي عهد محمد رسول الله كان الفرقان. وفي هذا العصر البيان. وفي عهد من يبعثه الله كتابه الذي هو مرجع كل الكتب والمهيمن على جميعها. وفي هذه المدائن أرزاق مقدرة، ونعم باقية مقررة، تهب الغذاء الروحاني، وتطعم النعمة القدمية، وتمنح نعمة التوحيد لأهل التجريد، وتجود على من لا نصيب لهم بنصيب، وتبذل كأس العلم للهائمين في صحراء الجهل. وفي هذه المدائن مخزون ومكنون الهداية والعناية، والعلم والمعرفة، والإيمان والإيقان لكل من في السموات والأرض.


فمثلا كان الفرقان حصنا حصينا لأمة الرسول، بحيث أن كل من آوى إليه في زمانه بقي محفوظا من رمي الشياطين، ورمح المخالفين، والظنونات المجتثة، والإشارات الشركية. ورزق كذلك بالفواكه الطيبة الأحدية، وبأثمار علم الشجرة الإلهية، وشرب من أنهار ماء المعرفة غير الآسن، وتذوق خمر أسرار التوحيد والتفريد. حيث أن جميع ما تحتاج إليه تلك الأمة من أحكام الدين، وشريعة سيد المرسلين، موجود ومعين في ذاك الرضوان المبين. وإنه لهو الحجة الباقية لأهله من بعد نقطة الفرقان. إذ أن حكمه مسلم، وأمره محقق الوقوع، والجميع كانوا مأمورين باتباعه إلى حين الظهور البديع في سنة الستين. وبه يصل الطالبون إلى رضوان الوصال، ويفوز المجاهدون والمهاجرون بسرادق القرب. وإنه لدليل محكم وحجة عظمى. وما عداه من الروايات والكتب والأحاديث ليس لها ذلك الفخر، لأن الحديث وأصحاب الحديث، وجودهم وقولهم مثبوت بحكم الكتاب ومحقق به. وعلاوة على ما ذكر فإن في الأحاديث اختلافات كثيرة وشبها جمة كما قال نقطة الفرقان في أواخر أيامه: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)۱٩۷. ومع أن هناك أحاديث كثيرة قد نزلت من منبع الرسالة، ومعدن الهداية، فإنه لم يذكر شيئا غير الكتاب. وقد جعله السبب الأعظم، والدليل الأقوم للطالبين، حتى يكون هاديا للعباد إلى يوم الميعاد.


فانظر الآن بعين منصفة، وقلب طاهر، ونفس زكية. ولاحظ ما قرره الله في كتابة المسلم به بين الطرفين، من العامة والخاصة، وجعله حجة لمعرفة العباد. فينبغي لهذا العبد ولجنابك ولكل من على الأرض أن نتمسك بنوره، ونميز الحق من الباطل ونفرق بين الضلالة والهداية. لأن الحجة انحصرت بأمرين أحدهما الكتاب وثانيهما عترته. ولما انقطعت العترة من بينهم انحصرت الحجة حينئذ في الكتاب.


وفي أول الكتاب يقول: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ۱٩٨ ففي الحروف المقطعة من الفرقان مستورة أسرار الهوية، وفي صدف هذه الحروف مخزونة


%
تقدم القراءة