الدين البهائي
"لتكن رؤيتكم عالمية ..." -- حضرة بهاء الله
"لو رزقت قليلًا من زلال المعرفة الإلهيّة لعرفت بأنَّ الحياة الحقيقيّة هي حياة القلب لا حياةُ الجسد ..." -- حضرة بهاء الله
"إن دين الله ومذهب الله يهدف إلى حفظ واتحاد واتفاق العالم والمحبة والألفة بين اهل العالم." -- حضرة بهاء الله

مَرْكَزُ العَهْدِ


إنّ النّظم الإداريّ للدّين البهائيّ يقوم أساسًا على هيئات منتخبة بالاقتراع العام، على المستويين المحلّي والعالميّ، ولكن حين وفاة حضرة بهاء الله، لم يكن تعداد البهائيّين، ولا درجة امتزاج شرقيّهم وغربيّهم، ولا ما بين أيديهم من تفاصيل النّظم الإداريّ الجديد، يسمح بتنفيذ وحسن سير هذا النّظم؛ فعيّن حضرة بهاء الله ابنه الأرشد عبّاس أفندي، ليواصل بناء الجامعة البهائيّة العالميّة، ويرسي قواعد نظامها على نفس النّمط الرّوحاني الّذي أبدعه، ويحمي الدّين البهائيّ من التّشيّع والانشقاق، سواء بسبب خلافته أو بسبب تفسير تعاليمه وأحكامه؛ فنصّ حضرة بهاء الله على هذا التّعيين في وصيّة مكتوبة بخطّ يده، واعتبرها عهدًا وثيقًا بينه وبين المؤمنين، حتّى لا تتصدّع صفوفهم. وقام عبّاس أفندي على الأمر من بعد والده بوصفه مركز عهده، واختار لنفسه اسم عبدالبهاء.


ولد حضرة عبدالبهاء في عام ١٨٤٤م في نفس اللّيلة الّتي أعلن فيها حضرة الباب دعوته، وأدرك حضرة عبدالبهاء منزلة أبيه وهو صبيّ في التّاسعة من عمره، قبل أن يعلن دعوته بعشر سنوات، ولازمه في منفاه بالعراق وتركيا ثمّ في سجن عكّا ساهرًا على تهيئة ما يعينه على تحقيق أهداف رسالته، وقام على خدمته ومناصرته كمؤمن أسير في محبته، متفاني في طاعته، حريص على رضاه حتى اللّحظة الأخيرة من حياته.


لم تسمح ظروف النّفي والسّجن المستمرّين ليتلقّى حضرة عبدالبهاء العلم في المدارس، فعلّمه والده. وأبدى منذ حداثة سنّه من مظاهر النّباهة والفطنة والنّبوغ وحدّة الذّكاء قدرًا غير مألوف تشهد الأحاديث، والكتب، والرّسائل الّتي تركها برسوخ قدمه في العلم، وقدرته الفذّة على حسن البيان، ودقّة التّعبير، وعمق الفهم، ومعرفة دقيقة بأسرار هذا الكون. وما نُشر له حتى الآن يربو على ألف وسبعمائة رسالة، تقع في سبع مجلدات، تحوي تراثًا خالدًا للأجيال القادمة.


لم ينتهِ سجن حضرة عبدالبهاء، إلاّ بعد عزل السّلطان عبد الحميد عام ١٩٠٩م، والإفراج عن الأبرياء المسجونين في الدّولة العثمانية. ورغم أنّه نال الحرّيّة شيخًا ناهز الخامسة والسّتين من عمره، ورغم أنّ طول سجنه قد هدّ قواه وأنهك صحّته، إلاّ أنّه بدأ أسفاره لبلاد الغرب، بعد التّوقف قليلاً في مصر، واعتلى المنابر، وتصدّر المحافل والمجالس العلميّة، وحاضر في الجامعات، وخطب في المصلّين، وناظر العلماء، وباحث المفكّرين، وناقش الأدباء، وحرّر ما لا حصر له من الرّسائل ردًّا على المستفسرين، وأبلى في ذلك كلّه بلاء لا حدّ له ولا نظير. لم يسافر ساعيًا لكسب أو شهرة، وإنما قيامًا بواجب نصح به أصحابه: ألاّ يلوذوا بالسّكون، أو يخلدوا إلى الرّاحة، وأن يطهّروا أنفسهم من التّعلّق بملذّات الحياة الفانية، ويشتروا بمتاع الدّنيا كنوزًا لا تفنى ومقرًّا في قرب الله، وأن يغتنموا الفرصة لنشر نفحات الله وسطوع نوره بين العالمين.


تناول حضرة عبدالبهاء في كتبه وأحاديثه الخاصّة والعامّة موضوعات كثيرة التّنوّع عبّر فيها عن فكر بهائيّ روحًا ومعنى. بيّن أنّ وحدة العالم في طريقها إلى التّحقيق على التّدريج ولها سبع عناصر: اتّحاد في السّياسة، واتّحاد في الفكر، واتّحاد في الحرّية، واتّحاد في الدّين، واتّحاد في القوميّة، واتّحاد بين الأجناس، واتّحاد في اللّغة. وبنى حلوله لمشاكل العالم على أساس قِيَمٍ إنسانيّة، مؤكدًا أنّ التّقدّم سواء في ميادين الاقتصاد أو الاجتماع أو العلوم والآداب والفنون، إنّما يتوقّف على مدى ما وصل إليه أفراد المجتمع في تمسّكهم بالعدل، وتقويمهم للأخلاق، وحرصهم على المصلحة العامّة قبل المصالح الخاصّة، ورغبتهم في التّعاون على البرّ والخير، وأنّ هذه وغيرها من مقوّمات الرّقي تتحقّق بالتّهذيب الدّينيّ، لا بالسّياسة ولا بالعلم ولا بالثّروة. وردّ على رسالة لمؤتمر السّلام المنعقد بلاهاي في ١٨٩٩م، فأوضح أنّ السّلام العالميّ بعيد المنال ما لم توضع المبادئ الرّوحانيّة والتّعاليم الّتي أعلنها حضرة بهاء الله موضع التّنفيذ. وحذّر أثناء أسفاره من وشوك اندلاع حرب عالميّة، ومن خطر الأوضاع السّائدة في بلاد البلقان. وكرّس جهودًا مضنية لإزالة الفواصل الّتي ما زالت تفرّق بين النّاس سواء كان مرجعها التّعصّب الدّيني أو التّعصّب العنصريّ أو التّعصّب القوميّ. وعلّم أنّ الأديان هي مراق للسّمو الإنسانيّ فلا يجوز أن نحوّلها إلى حواجز تفصل بين البشر.


ومن نصحه لنفر من أصحابه: "... فيجب عليكم أن تتضرّعوا وتبتهلوا آناء اللّيل وأطراف النّهار، وتسألوا الله أن يوفّقكم إلى الأعمال لا الأقوال. توجّهوا إلى الله، وصلّوا له، وناجوه، واسعوا عسى أن توفّقوا إلى عمل الخير، وأن تكونوا سببًا لغنى الفقير، وعونًا لكلّ بائس، وسرورًا لكلّ محزون، وسببًا لصحّة كلّ مريض، وسببًا لأمن كلّ خائف، ووسيلة لكلّ من لا وسيلة له، وملجأ وملاذًا لكلّ غريب، ومنزلاً ومأوى لكلّ من لا مأوى له ولا وطن. تلك هي صفة البهائيّ."


وفي ١٢ نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩١١م أبان لزائريه أنّ الدّين منقسم إلى قسمين، أحدهما يتعلّق بالرّوحانيّات، وهو الأصل، والثّاني يتعلّق بالماديّات، أي المعاملات. "أمّا القسم المتعلّق بالرّوحانيّات والإلهيّات فإنّه لم يتغيّر، ولم يتبدّل، وعليه بُعث جميع الأنبياء الّذين أسّسوا فضائل الإنسان... أمّا القسم الثّاني من الدّين، فإنّه يتغيّر ويتبدّل بمقتضى الزّمان والمكان... أساس دين الله، هو الأخلاق، وإشراق نور المعرفة، والفضائل الإنسانيّة ..."


ومن كلمة ألقاها يوم ٢٧ أغسطس (آب) ١٩١١م بتونون لوبان بسويسرا – نقلاً عن الأهرام –: "... ولنترك الجور والطغيان، ولنلتئم التئام ذوي القربى بالعدل والإحسان، ولنمتزج امتزاج الماء بالرّاح، ولنتّحد اتّحاد الأرواح، ولا نكاد أن نؤسّس سياسة أعظم من سياسة الله، ولا نقدر أن نجد شيئًا يوافق عالم الإنسان أعظم من فيوضات الله، ولكم أسوة حسنة في الرّبّ الجليل، فلا تبدّلوا نعمة الله، وهي الألفة التّامّة في هذا السّبيل. عليكم، يا عباد الله، بترك الاختلاف، وتأسيس الائتلاف والحبّ والإنصاف والعدل وعدم الاعتساف ...".


أمّ مجالس حضرة عبدالبهاء، وراسله صناديد الرّجال في العالم أمثال: الكاتب الرّوسي ليو تولستوي، والعالم السّويسري بروفسور أوجست فورل، والمستشرق أرمينيوس ڤامبري (هرمن) الأستاذ بجامعة بودابست، والأمير محمّد علي، والصّدر الأعظم مدحت باشا زعيم الإصلاح السّياسي في تركيا، والإمام محمد عبده، والأديب جبران خليل جبران، والمؤرخ والأديب السّياسي الأمير شكيب أرسلان، ورائد الصّحافة المصريّة الشّيخ علي يوسف، ومفتي الدّيار المصريّة الشّيخ محمد بخيت.


وفي ليلة ٢٨ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٢١م صعد حضرة عبدالبهاء إلى النشأة الأخرى، عن سبعة وسبعين عامًا. وتناقلت الصّحف الخبر بصورة تعبّر عن شعورها بفداحة الخسارة. فنشرت جريدة النّفير الصّادرة في حيفا على طول صفحتها الأولى، تحت عنوان: "خطب جلل، انتقال رجل الإنسانيّة عبد البهاء عباس." ثم استرسلت بقولها: "رزئت الإنسانيّة بانتقال أعظم ركن من أركانها، وأشهر محسن إليها، ملأ الخافقين ذكره وشداه، العالم الكبير، والحكيم الشّهير، السّيد عباس البهائيّ".


كتبت جريدة المقطّم (التي تصدر في القاهرة) في ٣٠ نوفمبر ١٩٢١م: "كان رحمه الله محترمًا من جميع الّذين عاشروه، مهيبًا كريم النّفس، متّصفًا بالأخلاق السّامية، وله أتباع ومريدون معظمهم في بلدان الغرب والولايات المتّحدة...زار الفقيد القطر المصريّ قبل الحرب وأقام بضاحية الزّيتون، وعرف كبار المصريّين وفضلاءهم، وزار بعض بلدان أوروبّا وأمريكا فقوبل فيها بالتّكريم، وخطب في المحافل والمعاهد والكنائس داعيًا إلى السّلام والوئام والإخاء بين البشر، والكفّ عن الحروب، والرّجوع إلى تعاليم الأنبياء والمرسلين...".


وقدمت النّفير في ٦ كانون الأول (ديسمبر) وصفًا لتشييع جنازته نقتطف منه فقرات موجزة لما يلقيه هذا السّجل التاريخيّ من ضوء على منزلة حضرة عبدالبهاء في قلوب معاصريه ومعاشريه: "طوّق النّعش فخامة المندوب [السّامي] وحاشيته، وحاكم المقاطعة، ومصاف العلماء الأعلام من علمانيّين ورؤساء روحانيّين، ولما وصلت مؤخّرة الموكب، كان تجمع الجمهور مهيبًا لم ترَ حيفا نظيره، ولما ساد السّكون وقف حضرة الأديب يوسف أفندي الخطيب وارتجل خطابًا مؤثّرًا نذكر منه فيما يلي ما أمكنّا التقاطه: ... فابكوا على الفضل والأدب، اندبوا العلم والكرم، ابكوا لأجل أنفسكم لأنّكم أنتم الفاقدون، وما فقيدكم إلاّ راحل كريم من عالمكم الفاني إلى دار الأبد والأزل، ابكوا ساعة لأجل من بكى لأجلكم ثمانين عامًا...".


وعقبه إبراهيم أفندي نصّار فقال: "... أيّها الرّاقد العظيم الكريم أنت أحسنت إلينا وأرشدتنا وعلّمتنا، عشت بيننا عظيمًا بكلّ ما تعنيه كلمة العظمة، وقد تفاخرنا بأعمالك وأقوالك، أنت رفعت منزلة الشّرق إلى أعالي ذروة المجد، قد أصلحت وهذّبت، أتممت السّعي فنلت إكليل المجد...".


وتلاه حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ محمد مراد، مفتي حيفا قائلاً: "... لا أودّ أن أبالغ في تأبين هذا الرّجل العظيم، فإنّ أياديه البيضاء في سبيل خدمة الإنسانيّة، ومآثره الغرّاء في عمل البرّ والإحسان لا ينكرها إلاّ من طمس الله على قلبه. كان حضرة عبدالبهاء عظيمًا في جميع أدوار حياته، كان عصاميًّا أبيّ النّفس، شريف العواطف، سامي المبادئ، كان رضيّ الأخلاق، حسن السّيرة، اشتهر ذكره في مشارق الأرض ومغاربها. وهو لم يحرز هذه المرتبة العالية إلاّ بجدّه واجتهاده، ولم ينل في القلوب تلك المنزلة العالية وذلك المكان الرّفيع، إلاّ بمساعدته للبائس، وبإغاثته للملهوف، وبتسليته للمصاب. كان رحمه الله واقفًا على دقائق الشّريعة الإسلامية. كان عالمًا كبيرًا وأستاذًا نحريرًا...".


تلاه الأستاذ عبد الله مخلص: "إنّ شمس العلم قد غربت، وبدر التّقى قد أفل، ونجم المكارم قد هوى، وعرش الفضيلة قد ثلّ، وطود الإحسان قد دكّ، ومعالم الهدى قد تغيّرت بانتقال هذا الرّاحل الكريم من الدّار الفانية إلى الدّار الباقية".


ونختم هذه المقتطفات ببيتين من قصيدة ارتجلها حضرة فضيلة الشّيخ يونس الخطيب:
حكم الإله بموت عباس البها          ربّ التّقى والفضل والعرفان
كلّ الأنام بكت وطال نحيبها          لفراق من هو عين كلّ زمان


%
تقدم القراءة
- / -