الدين البهائي

مقام المشورة

قيد الإنشاء


المشورة - مطلب أساسي لحياة الجامعة البهائية: من ضمن حدود وأحكام الدين البهائي وعوامل بناء الجامعة هو اتخاذ القرار الجماعي في عملية يطلق عليها "المشورة". فالمشورة البهائية في الأساس تتطلب تبادل الرأي الصحيح بكل محبة وأخوة بين أفراد المجموعة بهدف الوصول إلى الحقيقة في بعض المسائل وتكوين رأي جماعي. ولا نبالغ إذا قلنا بأنَّ كل فرد في الجامعة البهائية يعتبر عمليًا تلميذًا في عملية المشورة. يقول حضرة ولي أمر الله حول هذا الموضوع: "إنَّ مبدأ المشورة والذي يمثل أحد الأحكام الرئيسة للإدارة يجب أن يـطبق على جميع الأنشطة البهائية التي تؤثر على مصالح الأمر المبارك لأنَّ من خلال المشورة ومن خلال الـتعاون والتبادل المستمر للأفكار ووجهات النظر نستطيع حماية الأمر بصورة أحسن والإشراف على مـصالحه. إنَّ المبادرة الفردية والقدرة الشخصية والتدبير السليم هي أمور هامة ولا مفر منها، ولكنها يجب أن تدعم بالخبرات الجماعية والحكمة وإلاَّ فإنَّها لن تستطيع أن تحرز أو تؤدي المهام العظيمة الموكولة لها(1)". تمَّ التركيز على المشورة أيضًا في مجال حياة العائلة البهائية وبالأخص فيما يتعلق بالعلاقات بين الزوج والزوجة. وحتى في الأمور الشخصية يشجع البهائيون المشورة مع الآخرين عندما تسمح لهم الظروف. ورغم ذلك يحذرنا بيت العدل الأعظم في الفقرة التالية: "يجب أن لا يغيب عن بالنا بأنَّ جميع أنواع المشورة تهدف إلى الوصول إلى حل للمشكلة وهو أمر يختلف تمامًا عن المشاجرات اللفظية الجماعية الدارجة في بعض الدوائر في هذه الأيام التي تمثل نوعًا من الإقرار بالمعاصي الممنوع عنها في الأمر المبارك… إنَّه ممنوع علينا أن نعترف بخطايانا وعيوبنا أمام أي شخص أو عند عامة الناس كما تفعل بعض المذاهب الدينية. وعلى أي حال إذا رغبنا في أن نقر بخطئنا في أمر ما بمبادرة ذاتية أو أن نقر ببعض النواقص في شخصيتنا وسلوكنا ونطلب عفو الآخرين لنا فلنا الحرية في فعل ذلك(1)". والفقرة التالية من بيان لحضرة عبد البهاء يوضح لنا النموذج المثالي البهائي للمشورة البهائية، ويمكن اعتبارها ورقة عمل للمحافل الروحانية المركزية والمحلية للعمل بموجبها: "إنَّ أول شرط لأعضاء ذلك الاجتماع هو وجود المحبة والألفة المطلقة بينهم واجتناب البعد والنفور وإظهار الوحدة الإﻟﻬﻴﺔ، وآية ذلك أن يكونوا أمواج بحر واحد وقطرات نهر واحد ونجوم أفق واحد وأشعة شمس واحدة وأشجار بستان واحد وأزهار حديقة واحدة، وإذا لم تكتمل لهم الوحدة المطلقة يتشتت ذلك الجمع ويمسي ذلك المحفل معدومًا. أمَّا الشرط الثاني فهو أنَّه يجب عليهم أن يتوجهوا إلى الملكوت الإﻟﻬﻲ حين حضورهم إلى مكان الاجتماع ويسألوا العون من الأفق الأبهى وأن يباشروا آمالهم بمنتهى الإخلاص والأدب والوقار والطمأنينة ويخاطبوا المحفل معبرين عن آرائهم بمحض الأدب والهدوء، وعليهم أن يتحروا الحقيقة في كل مسألة دون أن يتشبثوا بآرائهم، ذلك لأنَّ التشبث بالرأي يؤدي إلى النزاع والخصام فتبقى الحقيقة مستورة، على الأعضاء أن يعبّروا عن آرائهم بتمام الحرية ولا يجوز أبدًا أن يحقر أحد رأي الآخر، بل ينبغي له أن يوضح حقيقة رأيه بمنتهى اللطف وفي حالة وجود أي خلاف في الرأي يكون الأمر للأغلبية حيث يجب على الجميع إطاعة أغلبية الآراء والانقياد لقراراتها، ولا يجوز لأحد أن يعترض أبدًا أو ينتقد قرار الأغلبية سواء كان ذلك خارج المحفل أو في داخله حتى ولو كان ذلك القرار غير صائب. فإنَّ مثل هذا الانتقاد سيكون سببًا لعدم تنفيذ أي قرار، ومجمل القول إنَّ كل عمل يتم بالألفة والمحبة وصفاء النية نتيجته النور، أمَّا إذا حدث أدنى اغبرار فستكون نتيجته ظلامًا ليس دونه ظلام. إنَّ اصطدام الآراء وتعارضها في مجلس الشورى هما السببان لبزوغ الحقيقة، فلا ينبغي لأي فرد من الأعضاء أن يتكدر من معارضة أي عضو آخر في آرائه بل يجب أن يصغي إلى رأي زميله بمنتهى الأدب والإخلاص ولو كان ذلك معارضًا لوجهة نظره، وأن يفعل ذلك دون أن يستاء أو يتكدّر. وهكذا يكون ذلك المحفل إلهيًّا وما عدا ذلك فإنَّه سبب للبرودة والنفور المنبعثين من العالم الشيطاني(1). وميزة أخرى للمشورة التي تقوم بها المحافل الروحانية تتمثل في السعي للوصول إلى وحدة الرؤية. ولهذا فإنَّ اتخاذ القرار بالأكثرية هو الحد الأدنى المطلوب في الإدارة البهائية. وقد جاء في إحدى رسائل بيت العدل الأعظم ما يلي: "إنَّ هدف المشورة البهائية المثالية هو الوصول إلى قرار بإجماع الآراء. وعندما يتعذر ذلك يجب التصويت… وعندما يتم التوصل إلى قرار فإنَّه يعتبر قرارًا للمحفل الروحاني و ليس قرار أولئك الذين وافقوا عليه فقط(1)". الخلاصة: إنَّ ما ناقشناه من أحكام رئيسية وغيرها والإجراءات الواجب اتِّباعها في الدين البهائي تمثل ذلك الخيط المحكم المتين الذي يتخلل كامل نسيج الدين الجديد. وقد يلاحظ المرء في الظاهر غموضا وإبهامًا وافتقارًا إلى الواقع بين أتباع هذا الدين الذي يركِّز على هدف وحدة الجنس البشري وخلق مجتمع عالمي جديد قائم على العدالة. لا شك بأنَّ رسالة بهاء الله لها نظرتها بعيدة المدى، ومن المؤكد فإنَّ أفراد الجامعة البهائية قد ملكت عليهم تلك الرؤية. ومن جانب آخر فإنَّهم لا يعتقدون أنَّ من الممكن تحقيق هذا الهدف دون تضحية كبيرة وجهود مضنية من قبل الأفراد والمجتمع بأكمله. إنَّهم يعتقدون بأنَّ الوصول إلى النظام العالمي الجديد وإلى الحضارة العالمية يتطلب نهجًا جديدًا للحياة يكبح جماح الطبيعة البشرية لضمان تحقيق ما خلقنا له من أهداف إﻟﻬﻴﺔ نبيلة. إنَّ انضباطًا كهذا يجب أن يسـود جميع الظروف المعيشية بالإضافة إلى شئون المجتمع الأخرى. فموضوع الزواج يجب أن يعتبر ذلك الأساس المتين الذي ستبنى عليه الحضارة. وحياة الفرد يجب أن تستنير بالروحانية بتلاوة الأدعية والمناجاة وخدمة الآخرين. أما العادات الاجتماعية السيئة مثل الغيبة التي تضرب بعمق جذور المجتمع البشري يجب الحد منها وإنهاؤها. على الشعوب أن تتخلى عن لهائها وراء أمور عقيمة مثل الأحزاب والشئون السياسية وتتوجه نحو التعاون والتآزر وتتعلم فن المشورة الصحيحة. كما يجب تشكيل بنية اجتماعية جديدة نرى فيها مشاركة الأفراد بدرجة أكبر. إنَّ الإخفاق في وقتنا الحاضر في الإقرار بضرورة تلك الأنظمة والأحكام، وحتمية التوجه نحو تلك البنى الاجتماعية الجديدة، يعد بنظر البهائيين استسلامًا لما يتراءى لنا على أنَّه الحقيقة. يبدو أنَّنا في حاجة إلى حلول سحرية لمشاكل العالم المعقّدة. وفي هذا الصدد يقول حضرة بهاء الله: "إنَّ الذين أوتوا بصائر من الله يرون حدود الله السبب الأعظم لنظم العالم وحفظ الأمم والذي غفل إنَّه من همج رعاع. إنَّا أمرناكم بكسر حدودات النفس والهوى لا ما رقم من القلم الأعلى إنَّه لروح الحيوان لمن في الإمكان… يا ملأ الأرض اعلموا أنَّ أوامري سرج عنايتي بين عبادي ومفاتيح رحمتي لبريتي كذلك نزّل الأمر من سماء مشيّة ربكم مالك الأديان. لو يجد أحد حلاوة البيان الذي ظهر من فم مشيّة الرحمن لينفق ما عنده ولو يكن خزائن الأرض كلها ليثبت أمرًا من أوامره المشرقة من أفق العناية والألطاف(1)".


Footnotes:
=في أي دولة يجب عليه أن يسلك مع تلك الدولة بالأمانة والصدق والصفاء. هذا ما نزل من لدن آمر قديم". (مترجم). من كتاب "مجموعة من ألواح حضرة بهاء الله نزلت بعد كتاب الأقدس". (1) جاء ذلك في المجموعة الوثائقية باسم Consultation - ص15. (1) جاء ذلك في المجموعة الوثائقية باسم -Consultation ص 22-23. (1) من كتاب –Bahá'í Administration ص 22-23. (1) من المجموعة الوثائقية باسم -Consultation ص21. (1) من كتاب الأقدس - بند 2-3.



%
تقدم القراءة