الدين البهائي
"لتكن رؤيتكم عالمية ..." -- حضرة بهاء الله
"لو رزقت قليلًا من زلال المعرفة الإلهيّة لعرفت بأنَّ الحياة الحقيقيّة هي حياة القلب لا حياةُ الجسد ..." -- حضرة بهاء الله
"إن دين الله ومذهب الله يهدف إلى حفظ واتحاد واتفاق العالم والمحبة والألفة بين اهل العالم." -- حضرة بهاء الله

رد على تحذير جبهة أصحاب الفضيلة من البهائية والبهائيين (١٩٤٧)


البهائية

رد على تحذير جبهة أصحاب الفضيلة
من البهائية والبهائيين


لجنة النشر المركزية
بالقطر المصري والسودان
بإجازة المحفل الروحاني المركزي للبهائيين


القاهرة في ١٠٣ب
١٣٦٦هـ ـ ١٩٤٧م
مطبعة رمسيس
أمام محافظة الإسكندرية – تليفون ٢١٩١٢

* * * * * * * * *


البهائية

الرد على تحذير جبهة العلماء



طالع حضرات القراء في الصفحات السابقة تحذير جبهة علماء الأزهر الشريف من البهائية والبهائيين. وطالعوا أيضاً أنّ أصحاب الفضيلة قائمون على إعداد كتاب مفصّل في بيان رأيهم في الدين البهائي، وأنّهم إلى أن يتمّوا كتابهم المرتقب سارعوا تحت الظرف العاجل إلى نشر التحذير موجزاً في الوقت الذي رفعوا فيه الأمر إلى المراجع العليا المختصّة.

والتحذير كما يراه القارئ تضمّن طائفة من المسائل تعتبر عند أهل العلم من القضايا الكلية التي تستلزم عناية وبحثاً أكثر مما تحتمله وريقات التحذير المحدودة وتتطلّب من الدراسة قدراً أكبر من ذلك القدر العاجل.

وما نحسب أن جبهة أصحاب الفضيلة العلماء قد استوفت بحثها وأتمّت دراستها، وإلّا لما قرأنا قولها "وسنعد إن شاء الله كتاباً مفصّلاً نبيّن فيه أباطيل هذه الفئة الباغية حتّى يتبيّن الحقّ من الباطل"، إذ التوفيق بين التحذير الذي ضمنته الجبهة رأيها السريع وبين اشتغالها بإعداد كتاب مفصّل، أو بعبارة أخرى، التوفيق بين رأي عاجل أعلنته الجبهة وبين اشتغالها باستيفاء البحث والتدقيق الذي هو شرط أساسي لتكوين رأي سليم، أمر يبدو من الصعوبة بمكان عند أهل الإنصاف. لأنّ من المبادىء المسلّم بها أنّ إبداء رأي سريع في قضية من القضايا قبل الوقوف على تفاصيلها كاملة، وقبل دراستها دراسة تامّة دقيقة، من شأنه أن يعرّض هذا الرأي السريع إلى النقد السريع بقدر ما يعرّضه آخِرِ الأمر إلى البطلان إذا ما أسفر البحث والتحرّي عن الحقيقة إلى قواعد ونظريات تختلف عن تلك القواعد والنظريات التي بُني عليها الرأي الأول.

والناظر أيضاً إلى التحذير يرى أنّ أهم ما ترمي إليه جبهة أصحاب الفضيلة هوالقول بأنّ البهائي خارج عن الدين، أو بالأحرى كافر مرتدّ. واستندت في هذا القول على دليلين، أحدهما قُدِّمَ في صورة عرض عابر لبعض وجوه العقيدة البهائية، والثاني قُدِّمَ في صورة أُمور شائنة نسبت إلى البهائيين.

قد يكون أنّ هناك ما أشكل فهمه على جبهة أصحاب الفضيلة في بعض العقائد البهائية، وهذا جائز إلى حدّ ما، بيد أنّ وسيلة واحدة يعرفها أهل العلم والفضل لرفع الشبهات وإزالة الالتباسات، وتلك الوسيلة هي دراسة المسائل على الوجه الصحيح. ولا يتسنّى ذلك إلّا بالرجوع إلى كتب البهائية، والتدقيق في مراميها، ووزن العقائد البهائية بموازين من كتاب الله لا بموازين البشر التي لا تخلو من أخطاء، وخاصّة منها موازين أهل الأغراض التي لا تخلو منهم أُمَّة من الأُمم، ولا عصر من العصور.

وبديهي أنّ توفّر الإنصاف شرط لازم للوصول إلى نتيجة سليمة تطمئنّ إليها النفوس وترتاح لها الضمائر، لأنّه إذا انتفى شرط الإنصاف خضع البحث إلى الميول، أو بعبارة أخرى رضخت العقول لسلطان التعصّب فصرفها عن وزن الحقائق بالموازين الصحيحة. لأنّ من المعلوم أنّ التعصّب كان في كلّ وقت سبباً في احتجاب النفوس عن الحقّ والنور، وكان علّة انسياقها وراء الوهم والخيال الذي يصوّر لها ما يصوّر من تهم لا أساس لها، وهذه من البديهيات التي لا تحتاج إلى دليل، لأنّ دليلها الحسّيّ قائم بالفعل منذ آلاف السنين. خذ مثلاً اليهود فإنّه بسبب عدم إنصافهم وبسبب انحيازهم وتعصّبهم قد حُرِمُوا من أنوار الحقّ التي تلألأت في آفاق الشرق والغرب، ولا يزال هذا الحرمان يلازمهم في إصرارهم إلى اليوم على إنكار رسالة سيّدنا عيسى وسيّدنا محمد - عليهما الصلاة والسلام - وفي كيلهم التهم لهما ولأتباعهما من غير تعقّل ولا تفكير، بل إنّ كلّ ما يرونه من آثارهما ونفوذ كلمتهما وسطوع أنوارهما وبروز سلطانهما لم يزدهم إلّا إمعاناً في ظلمات التعصّب والتقليد بحيث لم يفكّروا لحظة في تحرّي الحقيقة من الإنجيل والقرآن الكريم، ولا في وزن ما جاء فيهما بالميزان الذي وضعه الله تعالى في كتابهم التوراة.

ما كان يهمّ البهائيين أن يتعرّضوا لرأي جبهة أصحاب الفضيلة لولا ما تضمّنه هذا الرأي من نسبة أُمور شائنة، ونشرها على الجمهور في صورتها التي وددنا لو ترفّع عنها قلم أصحاب الفضيلة الأجلّاء.

وممّا يستوقف النظر أن جبهة أصحاب الفضيلة عندما نسبت إلى البهائيين التواصي بهدم البيت الحرام وتيسير طرق الإباحة، حشرت هذه المزاعم حشراً في طيات بنودها، وهكذا مكّنت للقارئ المنصف أن يتساءل لماذا لم تبرز هذه التهم في صدر الأدلة، فوجه الأهمية والخطورة فيها يجعلها جديرة بأن تحتل المكان البارز في معرض الدليل، ولأنّها إن صحّت تُغْنِي عن كلّ دليل!

أولاً - قالت جبهة العلماء الأجلّاء في آخِرِ بند ٢ أنّ البهائيين تواصوا بهدم البيت الحرام عند الاستطاعة والقدرة.

وهذا القول غير صحيح بالمرّة ولسنا في حاجة إلى السؤال من أين جاءت به جبهة أصحاب الفضيلة، لأنّنا نعلم تماماً أنّه لا يوجد له جواب. ولا حاجة بنا إلى القول أيضاً بأنّ كتب البهائية موجودة ومتداولة بين أيدي العامّة والخاصّة، وفي معاهد العلم والدين في مصر وغير مصر، وليس فيها أبداً شيء من هذا الزعم، ولا حتّى إشارة يمكن أن يستفاد منها دليل أو شبه دليل على صحّته. ولقد سبق للبهائيين في أكثر من مناسبة أن أثبتوا بطلان هذا الزعم، وأعلنوا ذلك على صفحات الجرائد والمجلات، وآخر ذلك كلّه كان في مجلّة الرياضة البدنيّة عدد سبتمبر ١٩٤٦. وإذا كان من الظلم البيّن أن ينسب إلى البهائيين ما هم براء منه فإن من المحبّب إلينا في كلّ وقت أن نكرّر القول بأنّ البهائيّة تقدّس بيت الله الحرام والمسجد الأقصى وكل البقاع المباركة. فمن ناحية الدليل التاريخي على هذا التقديس نجد أنّ حضرة "الباب" أوّل ما أعلن دعوته أعلنها في الكعبة الشريفة عام ١٢٦٠ هجرية بعد أداء فريضة الحج. ومن ناحية الدليل النقلي نقرأ في إحدى مناجاة حضرة بهاء الله "أسألك يا إلهي بالمشعر والمقام والزمزم والصفا، وبالمسجد الأقصى وبيتك الذي جعلته مطاف الملأ الأعلى ومقبل الورى"... "أي ربّ صلِّ على سيّد يثرب والبطحاء وعلى آله وأصحابه الذين ما منعهم شيء من الأشياء عن نصرة أمرك، يا من في قبضتك زمام الإنشاء، لا إله إلّا أنت العليم الحكيم". هذه عقيدة البهائيين، وهذه كتب البهائيين، وحسبنا هذا القَدْر ففيه الدليل القاطع على بطلان هذا الزعم.

ثانياً - جاء في آخر البند ٨ قول أصحاب الفضيلة: (أنّ من الأمور التي خدعت بها هذه الطائفة فريقًا من المسلمين تيسيرهم طرق الإباحة والتحلّل والإنفلات من الحواجز الأدبيّة ...إلخ) وهذا القول أيضاً قول يثير الأسف إلى حدّ كبير. وهو كلام أُرسل على عواهنه وكان بودّ البهائيين أن يرتفع عنه قلم جبهة أصحاب الفضيلة الأجلّاء. بل هو تراهات ما كان يجب أن يعرض مثلها على الناس بغير أن يكون هناك دليل يرتاح إليه الضمير أو حتّى شبه دليل مهما كانت قيمته في الإثبات. أمّا الخيال فلم يكن يوماً محلّ اعتبار أو تصديق. إنّه لظلم بيّن أن تصف جبهة أصحاب الفضيلة العلماء البهائيين بمثل هذه الأوصاف بغير دليل، في حين أنّ البهائيين فئة أهم مبدأ لهم هو أن يتمسّكوا بالمثل العليا سواء أكان في الأخلاق أو المعاملات بينهم وبين الناس، ولن تجد عند البهائيين استثناء لهذه القاعدة. فإنّ من تعاليمهم "كونوا في الطرف عفيفًا وفي اليد أمينًا وفي اللسان صادقًا وفي القلب متذكّراً"... "اجعلوا إشراقكم أفضل من عشيّكم وغدكم أحسن من أمسكم"... "فضل الإنسان في الخدمة والكمال لا في الزينة والثروة والمال". وعلى رأس هذه التعاليم "حرّم عليكم القتل والزنى ثمّ الغيبة والافتراء". هذه تعاليم ترتفع بالضمائر إلى الأوج الرفيع، وتسمو بالنفوس إلى الآفاق العليا للآداب والأخلاق.

ولقد سبق للبهائيين أن ردّوا على هذا الزعم على صفحات الجرائد وطالبوا القائلين به أنّ يأتوا بدليل أو شبه دليل من كتب البهائية، أو حتّى من حياة البهائيين الخاصّة والعامّة. وإنّه ليؤسفنا بعد ذلك أن تطلع جبهة أصحاب الفضيلة العلماء على الناس بنفس هذا الزعم ويدها خالية من أي دليل أو شبه دليل. لم تكن البهائية يوماً بمثل ما هي عليه اليوم من البروز والانتشار، فقد أقبل عليها الملايين من أهل الشرق والغرب من جميع الأديان والمعتقدات، ومن جميع الطبقات والألوان والأجناس، ولهم كتب وجرائد ومجلات تطبع وتنشر في أكثر من أربعين لغة، وهيئات ومحافل منتشرة في أكثر من ثمانين مملكة، وامتدت دعوتهم إلى مختلف الأوساط والهيئات واعترف كثير من حكومات الشرق والغرب بهم. أمام كلّ هذه الحقائق لا يستطيع عاقل أن يفهم كيف ساغت العقول مثل هذا الزعم، ولا كيف خاض القلم فيه إلّا أن يكون الدافع له البعد عن حسن النيّة، وإلّا أن يكون من نسج الخيال، والخيال كما قدمنا لن يكون محلّ اعتبار أو تصديق.

ثالثًا – جاء في سياق المقدّمة قول جبهة أصحاب الفضيلة "ويهمّنا في هذة الكلمة أن نفتح عيون إخواننا المسلمين والمنصفين على ضلالات مأخوذه من كتب البهائيين وما يتّصل بها، تبيّن أنّ المعتنق لنحلتهم كافر مرتد عن دينه ... إلخ"

هذه النتيجة هي أهم ما رمت إليه جبهة العلماء الأجلّاء وهي أنّ البهائي خارج عن الدين، أي أنّها تصفه بالكفر والارتداد.

١- فأمّا الكفر فمعناه في جميع الكتب السماوية وبخاصّة القران الكريم عدم الإيمان بالله ورسله. وهذا إنّما يتحقّق عند ظهور كلّ رسول جديد بقوله تعالى "أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ"(البقرة:٨٧). والبهائيون يؤمنون بالله ورسله وكتبه فضلاً عن أنّ الشخص الذي كان يكفر بالله من قبل أصبح بعد أن عرف البهائية يؤمن بالله وبجميع رسله وأنبيائه وكتبه واليوم الآخر. والكفر معناه في اللّغة ضد الإيمان والبهائيون مؤمنون وإذاً فوصف الكفر لا ينطبق عليهم.

٢- أمّا الإرتداد فمعناه النكوص بعد الإيمان، والرجوع إلى الدين السابق كما حدث في الإسلام بعد انتقال النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى. والبهائيون لم ينكصوا وإذاً فهم لم يرتدّوا، بل هم يؤمنون بالله وبجميع رسله وأنبيائه وكتبه واليوم الآخِرِ، حتّى أنّ الإسرائيلي والمسيحي من البهائيين والبوذي والزردشتي منهم وغيرهم يؤمنون بسيّدنا موسى وبالتوراة، وسيّدنا عسيى وبالإنجيل، وسيّدنا محمد وبالقرآن الكريم إيماناً صادقاً، وبعقيدة راسخة. وإذاً يتّضح من هذا أنّ نسبة الكفر والإرتداد إلى البهائيين نسبة غير صحيحة، لأنّها لا تقوم على أساس من اللّغة أو الكتاب، إذ لو صحّت نسبة الإرتداد إلى البهائيين حالة كونهم يؤمنون بالله وبجميع رسله وأنبيائه لحقّ لليهود أن ينسبوا الإرتداد إلى المسيحيين لأنّهم آمنوا بسيّدنا عيسى، ولحقّ للمسيحيين أن ينسبوا الإرتداد إلى المسلمين لأنّهم آمنوا بسيّدنا محمد، وهذا ما لا يقول به منطق اللّغة ولا العقيدة المنصوصة في الكتاب.

والآن نشرع في استعراض البنود الأُخرى إذ نتناولها ببيان موجز نقتصر فيه على تقرير الأُصول تاركين التفصيل إلى فرصة أُخرى عندما يظهر الكتاب الذي وعدت به جبهة أصحاب الفضيلة.

١- قالت جبهة علماء الأجلّاء "لقد زعم البهائيون أنّ رأس نحلتهم الملّقب (بالباب واسمه ميرزا علي محمد) رسول أرسله الله منذ مائة سنة تقريباً، وزعموا أنّ الله نزّل عليه كتاباً اسمه "البيان" ثم أوغلوا في هذا الباطل فزعموا أنّه في رسالته أفضل من سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام وأنّ كتابه "البيان" أفضل من القرآن وهكذا جحدوا أنّه عليه الصلاة خاتم النّبيين وأنّ الإسلام هو ختام الأديان، ثمّ خلعوا الرسالة والنبوّة على طاغوتهم من غير دليل وبرهان."

أمّا حقيقة العقيدة البهائيه فهي هذه:

١- أنّ حضرة الباب لم يَدَّعِ النبوّة أو الرسالة بل أعلن أنّه "الباب" أي باب الحقيقة، وأنّه القائم المنتظر والمهدي الموعود وأنّ كتابه "البيان" جاء مثبّتاً لإعلانه ومفصّلاً لدعوته. وكذلك لم يَدَّعِ حضرة "بهاء الله" أنّه نبيّ أو رسول بل أعلن أنّه الموعود الذي وعدت به جميع الأُمم.
٢- أنّ البهائية لا تقول بأنّ حضرة "الباب" أفضل من سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام ولا كتابه أفضل من القرآن.
٣- أنّ البهائية لا تنفي ختم النبوّة عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا تنفي أنّ الإسلام خاتم الأديان.


فالبهائية كما ترى لا تتنافى عقائدها الصريحة مع العقائد السليمة المنصوص عليها في الكتب السماوية وبخاصّة القرآن الكريم. والبهائية تعلن وتثبت أنّ جميع كتب الله واحدة لأنّها كلام الله، ولأنّها مصدر النور والهداية. وتعلن وتثبت أنّ جميع رسل الله واحد في المرتبة العليا، يظهرون من لدى الحقّ بأمر واحد، ونور واحد، وحقيقة واحدة، كما جاء في قوله تعالى "قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوْتِيَ مُوْسَى وَعِيْسَى وَمَا أُوْتِيَ النَّبِيُّونَ مَنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرَِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"(البقرة:١٣٦).

والبهائية تعظّم جميع رسل الله وأنبيائه، والأمثلة على ذلك ما جاء في مجموعة الألواح بالصفحة ٢ قول حضرة بهاء الله في حقّ سيّدنا محمد "والصلاة والسلام على مطلع الأسماء الحسنى والصفات العليا الذي في كلّ حرف من اسمه كنزت الأسماء وبه زُيِّنَ الوجود من الغيب والشهود، وَسُمِّيَ بمحمد في ملكوت الأسماء، وبأحمد في جبروت البقاء، وعلى آله وصحبه من هذا اليوم إلى يوم فيه ينطق لسان العظمة الملك لله الواحد القهّار" وجاء أيضاً في الإشراقات بالصفحة ٩٥ من مراتب العصمة الكبرى قول حضرة بهاء الله "والمقصود أن يعلم الكلّ بيقين مبين أنّ خاتم الأنبياء - روح ما سواه فداه - لم يكن له شبيه ولا مثيل ولا شريك في مقامه، وأنّ الأولياء - صلوات الله عليهم - خُلِقُوا بكلمته وهم أعلم العباد وأفضلهم من بعده، قائمون بمنتهى رتبة العبوديّة فبحضرته ثبت تقديس الذَّات الإلهيّة عن الشبيه والمثيل، وظهر تنزيه كينونته عن الشريك والنظير. هذا هو مقام التوحيد الحقيقي والتفريد المعنوي".

ويعتقد البهائيون أنّ الإسلام هو الدين الذي أنزله الله على جميع الرسل. فقد كان دين الله في دورة سيّدنا إبراهيم بقوله تعالى "وَإِذَا يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ"(البقرة:١٢٧-١٢٨). والإسلام كان دين الله في دورة سيّدنا يعقوب بقوله تعالى "أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"(البقرة:١٣٣). والإسلام كان دين الله في دورة سيّدنا موسى بقوله تعالى "وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ"(الأعراف:١٢٦). والإسلام كان دين الله في دورة سيّدنا عيسى بقوله تعالى "وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّنَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ"(المائدة:١١١). وفي الحديث الشريف – "المسلم من سلم الناس من يده ولسانه" وجاء في الفقه الأكبر في التوحيد للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه "والإيمان هو الإقرار والتصديق... والإسلام هوالتسليم والانقياد لأوامر الله تعالى. فمن طريق اللّغة فَرَّقَ بين الإيمان والإسلام. ولكن لا يكون إيمان بلا إسلام ولا يوجد إسلام بلا إيمان وهما كالظهر مع البطن. والدين اسم واقع على الإيمان والإسلام والشرائع كلّها".

والخلاصة أنّ الإسلام معناه التسليم والانقياد والعمل بأوامر الله والاعتقاد بشرائع الله كافّة، وهذا هو جوهر الدين. ولا يمكن أن تتجرّد دعوة إلهيّة من الإسلام الذي هو الجوهر. والبهائية تحمل في دعوتها وتعاليمها نفس هذا الجوهر. فقد جاء في الإشراق الأوّل قول حضرة بهاء الله "يجب على أهل الثروة وأصحاب العزّة والقدرة ملاحظة حرمة الدين بأحسن ما يكون في الإبداع. فإنّ الدين هو النور المبين والحصن المتين لحفظ أهل العالم وراحتهم إذ أنّ خشية الله تأمرالناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر. فلو احتجب سراج الدين لتطرّق الهرج والمرج وَمُنِعَ نَيِّرُ العدل والإنصاف عن الإشراق، وشمس الأمن والاطمئنان عن الأنوار. شهد ويشهد بذلك كلّ عارف خبير". يتّضح من ذلك أن ما جاء تحت هذا البند من التحذير غير صحيح، أو بمعنى آخر لا يطابق العقيدة الصحيحة المنصوصة في كتاب الله.

ويجدر بنا في هذا المقام أن نتناول ختم النبوّة بشرح مختصر فإنّ الختم الذى صرّح به الله تعالى بقوله الكريم "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ"(الأحزاب:٤٠) يقع كما هو صريح على مقام النبوّة وليس على مقام الرسالة. والفرق بين المقامين مقرّر في كتب الفقه. ولا عبرة بما ذهب إليه فريق من القول بأنّ مقام الرسالة خاص ومقام النبوّة عام، وبناء على هذا يكون ختم الأعم معناه ختم الأخص. ومثل هذا القول يتعارض مع المنطق كما يتعارض مع دليل التقرير. فإنّ القول بانقطاع الوحي الإلهي وغلق باب الرحمة الإلهيّة هو من الأقوال التي لا تجد لها سنداً في المنطق الواقع. فقد أجمع مفكّروا أهل العالم على اختلاف مللهم وعقائدهم على أنّ الإنسانيّة في تطوّرها الحالي قد وصلت إلى درجة أصبحت معها في أشدّ الحاجة إلى الفيض الإلهي أكثر ممّا احتاجت إليه في عصورها السالفة التي تدرّجت فيها حتّى وصلت إلى مرتبة البلوغ الحالية. وأجمع علماء الاجتماع على أنّ العالم يحتاج في مرحلته الحاضرة إلى نوع جديد من النظم التي لا عهد له بها من قبل. ولذلك اتّجهت العقول والأفكار إلى مقابلة الوعي العالمي العام، وتركّزت الجهود في إحلال نظم جديدة تليق بالعالم الجديد، وفي ايجاد روابط جديدة تحدّد العلاقات الجديدة التي يقتضيها العصر الحديث. ويقرّر أهل العلم والفكر أنّ الأديان التي عملت في أدوارها على هداية البشر قد أعدّت الأُمم إلى يوم تنعدم فيه الفروق من بين بني الإنسان وتبدأ الإنسانية عهداً جديداً من التقدّم والارتقاء، وأنّه لابدّ لتأمين هذه المرحلة الهائلة من هداية إلهيّة جديدة لأنّ رحمة الله لم تشأ أن تترك العالم يومًا دون نسمة من نسماتها، ونفحة من نفحاتها. ومع وجود هذه الحقائق بارزة في تاريخ العالم الروحى، ومع إجماع الكلّ على أنّ كلّ نهضة حدثت في العالم كانت بفضل وتأثير الكلمة الإلهيّة، وأنّه لا يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة من مراحل التقدّم الإنساني إلّا بقوّة الدفع الجديدة التي تصدر من مستودع القوى الهائلة الإلهيّة التي لا نفاد لها، فإنّ كلّ أُمّة بغير استثناء اعتبرت رسولها خاتم الرسل، ودينها ختام الأديان، وأنّه إذا سلّمت بظهور شخص جديد فإنّما تقيّده بقيود، وتشترط لقبوله شروطات لم يَقُلْ بها كتاب الله. وهكذا نرى اليهود يعتقدون أنّه لن يُرسل الله أحداً بعد سيّدنا موسى بدليل قوله تعالى "وَقَالَتْ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ "(المائدة:٦٤) ونرى المسيحيين يقطعون بأنّ سيّدنا عيسى هو الأوّل والآخر. ادّعت جميع الأُمم هذا الإدّعاء ومع ذلك لم يكن في ادعائها ما منع الحقّ سبحانه وتعالى أن يرسل الرسل الواحد تِلْوُالآخر كما جاء في قوله تعالى "ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرُى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا"(المؤمنون:٤٤). وأدلّة التقرير على عدم انقطاع الوحي الإلهي وعدم سدّ أبواب الفيض والرحمة كثيرة. ولكنّنا نكتفى بواحد منها حصرًا للبحث في أضيق نطاق. فقد قال تعالى "وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مُوْسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا"(مريم:٥١). وقال تعالى أيضاً "وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا"(مريم:٥٣). من هاتين الآيتين المباركتين يتبيّن أنّ سيّدنا موسى كان نبيًّا وهارون أيضاً كان نبيًّا، ولكن أيّهما كان صاحب الكتاب والشرع؟ كان سيّدنا موسى ما في ذلك شك. فقد كان رسولاً وأمّا هارون فلم يكن إلّا نبيًّا كبقية أنبياء بني إسرائيل الذين وصفهم الله في مقام آخر بالنُّقباء بقوله تعالى "وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا"(المائدة:١٢). كانت وظيفة سيّدنا موسى الكتاب والرسالة وكانت وظيفة أنبياء بني إسرائيل أو النُّقباء ترويج شريعة سيّدنا موسى، وتدبير شوؤن الأُمّة في ظلّ هذه الشريعة كما أشار تعالى بقوله الكريم "إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ"(المائدة:٤٤). ففضلاً عن أنّ هذه الآية المباركة تحدّد الفرق بين الرسالة والنبوّة وتخصّ الأُولى بالكتاب والشريعة، فإنّها تقتصر مهمّة الأنبياء في الدورة الواحدة على ترويج شريعة الله وتدبير شؤون الأُمّة في ظلّ هذه الشريعة، لأنّهم أحفظ من غيرهم لكتاب الله، وأعرف من سواهم بمواقع الحكم والتدبير. وأمّا في الدورة الإسلامية فقد بلغ البشر درجة أكبر من الاستعداد الروحي والعقلي، فَأَوْكَلَ الله التدبير إلى من هم أعرف بالكتاب ومواقع الحكم والتدبير، وهؤلاء كانوا العلماء والخلفاء الذين أوكل بهم ما أوكل من قبل بالأنبياء والنُّقباء. وإلى هذا يشير الحديث الشريف "علماء أُمّتي كأنبياء بني إسرائيل" وحديث "فوا بيعة الأوّل فالأوّل" الوارد في البخاري شرح القسطلاني بالجزء الثاني ص ١٥٨ في باب ما ذكر عن بني إسرائيل قوله عليه الصلاة والسلام "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلّما هلك نبي خلفه نبي وإنّه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا بيعة الأوّل فالأوّل أعطوهم حقّهم فإنّ الله سائلهم عمّا استرعاهم". وقد جاء في الفقه الأكبر للإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه "ويجب علينا أن نؤمن بجميع الأنبياء والرسل جملة. والفرق بين الأنبياء والرسل أن الرسول يكون صاحب شريعة والأنبياء بعثوا على شرائع هؤلاء الرسل. وكلّ رسول نبيّ وليس كلّ نبيّ رسولاً". إنّ هذا المبحث هو من أدّق الأبحاث، فقد قامت عليه أُصول كافّة الأديان كما اتّضحت في ضوئه أسباب إعراض الأُمم وادّعاء كلّ منها باختتام الوحي، وإذا كان لهذه العقيدة أصل في كتاب الله للزم أن ينتهى الفيض الإلهي عند أوّل فيضهما وأن تنتهى الرحمة الإلهيّة عند أوّل نسمة سرت، ولكن الواقع غير ذلك فقد استمر الفيض الإلهي واستمرّت الرحمة الإلهيّة وفي هذا القدر كفاية لأُولي النُّهى.

٢- قالت جبهة أصحاب الفضيلة "لقد زعم البهائيون أيضاً أنّ شريعتهم ناسخة للشريعة الإسلاميّة... إلخ"

أوضحنا فيما تقدّم كيف أنّ الإسلام كان دين الله في كلّ عهد من عهود الرسالة، ولسنا في حاجة للقول بأنّ كلّ رسول جاء في عصره ومعه كتاب أنزله الله تعالى عليه لأنّ هذا أمر معلوم. ولقد أشار الله بقوله تعالى "إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيْهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ"(المائدة:٤٤) وأشار إلى الإنجيل بقوله تعالى "وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيْسَى ابْنَ مَرْيمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيْهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ"(المائدة:٤٦). وأشار القرآن الكريم بقوله تعالى "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُم شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا"(المائدة:٤٨). يتبيّن من هذه الآيات المباركة أنّ الوحدة قائمة بين كتب الله العزيز وغاياتها واحدة وهي الهدى والنور، وكذلك الإسلام كما سبق شرحه كان جوهر جميع الأديان. ومع وجود هذه الوحدة في الغاية والجوهر فإنّ الشريعة تختلف في دين عنها في الآخر، وكلّ رسول جاء بكتاب فيه شريعة تختلف عن شريعة الرسول السابق. فانظر مثلاً إنّ الله تبارك وتعالى وصف الكتاب الذي نزل على سيّدنا موسى بالفرقان بقوله تعالى "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوْسَى وَهَارُونَ الفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ"(الأنبياء:٤٨) ووصف القرآن أيضًا بالفرقان بقوله تعالى "تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا"(الفرقان:١). ومع اتّفاق الوصف واتّحاد اللّفظ فإنّ الشريعة التي نزلت في الفرقان على سيّدنا موسى كانت بالطبع غير الشريعة التي نزلت في الفرقان على سيّدنا محمد وهكذا. فالصلاة والصوم والزكاة والحج وأحكام الزواج والطلاق والمعاملات وغيرها وهي التي تكوّن جسم الشريعة تتعدّل بمشيئة الله وإرادته تبعاً لحاجة العالم ومقتضيات الزمن، لذلك لا تجدها واحدة في جميع الأديان. وتعديل القوانين من الضرورات الطبيعية والسنن الإلهيّة لسد حاجات العالم في تدرّجه من رقيّ إلى رقيّ ومن كمال إلى كمال. وحكمة تعاقب الشرائع لا تخفى على أهل العلم والفضل. فحكمة أولى لتعاقبها هي أنّه لمّا كان لكلّ عصر مستلزمات خاصّة ولكلّ أُمّة استعداد خاص ووضع خاص اقتضت رحمة الله أن تشرّع من القوانين والأحكام ما يتفق مع ذلك الاستعداد والوضع الخاص لكلّ أُمّة. وحكمة ثانية لتعاقبها هي أنّه لمّا كان العالم يسير في مجموعة كوحدة نحو تقدّم ورقيّ لا متناهي وكان في كلّ مرحلة من مراحل تقدّمه يحتاج إلى المشكاة التي تنير له الطريق وإلى الأداة التي تعينه على قطع هذه المرحلة اقتضت الرحمة الإلهيّة أن تجعل لكلّ مرحلة شريعة وحكماً يتناسب مع درجة التطوّر الذي بلغه البشر في ظلّ الشريعة السابقة، وبما أنّ تعاقب الشرائع هو من مستلزمات الهداية الإلهيّة، وأنّ التدرّج في الكمال سنّة من سنن الرحمة فلا يستطيع العقل المنير أن يقول بأنّ شريعة أو قانون يصلح لكلّ زمان ومكان فضلاً عن أنّ الله منزّل الشرائع ومصدر الهدى والنور لم يقل بذلك. ولا يمكن إحلال مثل هذه النظرية محل القبول والاعتبار، أوّلاً: لأنّ أوضاع العالم دائمة التغيّر بحيث أنّ ما يصلح له اليوم لا يصلح له غدًا، وثانيًا لأنّ الشرائع تعاقبت فعلاً وتعاقبها دليل هذه الحكمة وهي تهيئة أسباب الهداية للعالم في كلّ مرحلة من مراحل التقدّم والارتقاء، وإلاّ للزم الحال أنّ تقتصر الشرائع على الشريعة الأُولى وهي كما هو معلوم كانت من عند الله. وليس استيعاب هذه الحقائق من الأُمور التي تتعذّر على الأفهام، ولكن الذي غمرها بالطلاسم والألغاز ووضعها موضع التعقيد هو ما ذهبت إليه كلّ أُمّة من محاولة رفع قدر شريعتها وخفض الشرائع الأُخرى. فوضع كلّ فريق شريعته في ميزان، وعمل جاهدًا لتثقل كفّتها وتخف كفّة الأُخرى، ودفعت كلّ أُمّة بكلمة الله الواحدة التي تجلّت للعالم في إطارات بديعة متعاقبة من الشرائع والأحكام إلى معرض المقارنة والتفاضل، لا رغبة في إظهار عظمة الفيض الإلهي بل لمجرّد الظفر بالغلبة على أهل الشرائع الأُخرى، والتدليل على ضعف ما عداها، وانتهى الأمر بين هذه الملل إلى المجادلة في كلمة الله، ومحاربة بعضها بعضًا باسم شريعة الله، وانتهى الأمر أيضًا إلى أن تزعم كلّ أُمّة بأنّ شريعتها أبدية، وبأنّه حتّى على فرض التسليم بظهور شخص آخر من عند الله، فإنّه لن يؤذن له بأن يمس الشريعة والأحكام. وبالإختصار فهم يريدونه على حسب ما تهوى أنفسهم لا على حسب ما يريده الله تعالى. هذا ما حدث مع اليهود عند ظهور سيّدنا عيسى، وهو ما حدث مع المسيحيين عند ظهور سيّدنا محمد، وقس على ذلك، وهذا سرّ قوله تعالى "أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ"(البقرة:٨٧).

والمتدبّر في جميع الأديان يرى بغاية السهولة أنّ الصلاة والصوم والزكاة والزواج والطلاق وأحكام المعاملات وآداب العبادات كلّها مفروضة منصوصة في جميع كتب الله العزيز على اختلاف أسمائها المباركة، ولكنّها تختلف في الشكل والرسم في كتاب عنها في الآخر. خذ مثلاً أحكام الزواج والطلاق، فإنها تختلف في التوراة عنها في الإنجيل، وتختلف فيهما عنها في القرآن. التوراة مثلاً تقدّس يوم السبت، والإنجيل ينسخ حكم السبت، والقرآن يخصّ يوم الجمعة بالذّكر "وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا"(المائدة:٤٨). ومع اختلاف هذه الشرائع والأحكام في الشكل فإنّ جميع الأديان اتّحدت على ناحية أُخرى لا تختلف أبدًا في كتاب عن كتاب، وهذه الناحية هي الإيمان بالله ورسله وأنبيائه وكتبه واليوم الآخر، والحض على الكمال ومكارم الأخلاق، واتّحدت على تحريم القتل والزِّنى والنميمة والإفتراء والسرقة وشهادة الزور، واتّحدت على تكريم الأبوين والصدق والأمانة والعدل والرحمة ومحبّة الناس والعناية بالفقير، ومراعاة حرمة الناس والتفاني في خدمة بني الإنسان وغير هذه من المناقب التي ميّز الله بها الإنسان. هذه المكارم والكمالات واحدة في جميع الأديان، لا يعتريها نسخ ولا تعديل في كتاب من كتب الله، ولا في عصر من العصور. وطالما أنّ هذا الجوهر لا يعتريه نسخ أو محو، وأنّ الإسلام جوهر الأديان وأنّ البهائية كما قدّمنا تحمل في دعوتها نفس هذا الجوهر فلا محل إذًا للقول بأن البهائية ناسخة للإسلام.

٣- قالت جبهة أصحاب الفضيلة "ولقد تمادوا في غيّهم فاعتقدوا أنّ الإله قد حلّ في البهاء، وأنّ الله قد تجلّى فيه أعظم من تجلّيه في أجسام الأنبياء" وهذا القول أيضًا غير مفهوم. لأنّ القول بحلول الإله في شخص لا يترك محلاًّ للقول بأنّ الله يتجلّى فيه، وذلك للتعارض بين القولين، وللتناقض أيضا بين المدلولين، ويكفينا في الردّ أن نورد مقتطفات من بيانات حضرة بهاء الله في عقيدة التوحيد فقد جاء في لوحه إلى شاه إيران ما يأتي "ومنهم من قال أنّه كفر بالله بعد إذ شهدت جوارحي بأنّه لا إله إلّا هو والذين بعثهم بالحقّ وأرسلهم بالهدى أُولئك مظاهر أسمائه الحسنى ومطالع صفاته العليا ومهابط وحيه في ملكوت الإنشاء، وبهم تمّت حجّة الله على ما سواه ونصبت راية التوحيد وظهرت آية التجريد وبهم اتّخذ كلّ نفر إلى ذي العرش سبيلاً. نشهد أنّه لا إله إلاّ هو لم يزل كان ولم يكن معه من شيء، ولا يزال يكون بمثل ما قد كان، تعالى الرّحمن أن يرتقي إلى إدراك كنهه أفئدة أهل العرفان أو يصعد إلى معرفة ذاته إدراك من في الأكوان. وهو المقدّس عن عرفان دونه، والمنزّه عن إدراك سواه، إنّه كان في أزل الآزال عن العالمين غنيًّا". وجاء بالصفحة ٣٩ من "لوح ابن الذئب" قول حضرة بهاء الله "أيّ ربّ أنا عبدك وابن عبدك، أشهد بوحدانيّتك وفردانيّتك وبتقديس ذاتك وتنزيه كينونتك". وجاء بالصفحة ٦٦ من "كتاب الإيقان" في بيان التوحيد قوله "ومن الواضح لدى أُولي العلم والأفئدة المنيرة أنّ غيب الهُوية وذات الأحديّة كان مقدّسًا عن البروز والظهور، والصعود والنزول، والدخول والخروج، ومتعاليًا عن وصف كلّ واصف، وإدراك كلّ مدرك، لم يزل كان غنيًّا في ذاته، ولا يزال يكون مستورًا عن الأبصار والأنظار بكينونته، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير - لأنّه لا يمكن أن يكون بينه وبين الممكنات بأيّ وجه من الوجوه نسبة وربط وفصل ووصل أو قرب وبعد وجهة وإشارة. لأنّ جميع من في السموات والأرض قد وُجِدُوا بكلمة أمره، وبُعِثُوا من العدم البحت والفناء الصرف إلى عرصة الشهود والحياة بإرادته التي هي نفس المشيئة". ثمّ يكشف حضرة بهاء الله عن الوصل الرقيق بين رحمة ذلك الغيب المنيع وبين عباده الذين خُلِقُوا بأمره وإرادته فيقول في نفس الموضع "سبحان الله. إنّه ما كان ولن يكون بين الممكنات وبين كلمته أيضًا نسبة ولا ربط. والبرهان الواضح على هذا المطلب قوله تعالى وَيُحَذِّرُكُم اللهُ نَفْسَهُ (آل عمران:٢٨) والدليل اللائح عليه (كان الله ولم يكن معه من شيء) إذ أن جميع الأنبياء والأوصياء والعلماء والعرفاء والحكماء قد أقرّوا بعدم بلوغ معرفة ذلك الجوهر الذي هو جوهر الجواهر، وأذعنوا بالعجز عن العرفان والوصول إلى تلك الحقيقة التي هي حقيقة الحقائق. ولمّا كانت أبواب عرفان ذات الأزل مسدودة على وجه الممكنات لذا باقتضاء رحمته الواسعه في قوله (سبقت رحمته كلّ شيء) و(وسعت رحمتي كلّ شيء) قد أظهر بين الخلق جواهر قدس نورانيّة من عوالم الروح الروحاني على هياكل العزّ الإنساني كي تحكي عن ذات الأزليّة وساذج القِدَمِيَّة. وهذه المرايا القدسيّة ومطالع الهُويّة تحكي بتمامها عن شمس الوجود وجوهر المقصود. فمثلاً علمهم من علمه وقدرتهم من قدرته وسلطنتهم من سلطنته وجمالهم من جماله وظهورهم من ظهوره، وهم مخازن العلوم الرّبّانيّة ومواقع الحكمة الصمدانيّة ومظاهر الفيص اللامنتاهي ومطالع الشمس السرمديّة." ثمّ يكشف حضرته بعد ذلك عن جلال وحدة المقام من حيث الحقّ بين الأنبياء، وجمال التفاوت من حيث الخلق في مراتب هؤلاء الجواهر المقدّسة فيقول في نفس الموضع "وهؤلاء الهياكل القدسيّة هم المرايا الأوّليّة الأزليّة التي تحكي عن غيب الغيوب، وعن كلّ أسمائه وصفاته من علم وقدرة وسلطنة وعظمة وعزّة وجود وكرم. فكلّ تلك الصفات ظاهرة ساطعة من ظهور هذه الجواهر الأحديّة. إنّ هذه الصفات ليست مختصّة ببعض دون بعض، ولم تكن كذلك فيما مضى، بل إنّ جميع الأنبياء والمقرّبين والأصفياء المقدّسين موصوفون بهذه الصفات وموسومون بتلك الأسماء. نهاية الامر أنّ بعضهم يظهر في بعض المراتب أشد ظهورًا وأعظم نورًا كما قال تعالى "تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُم عَلَى بَعْضٍ"(البقرة:٢٥٣). إذاً صار من المعلوم والمحقّق أنّ محلّ ظهور جميع هذه الصفات العالية، وبروز الأسماء غير المتناهية هي أنبياء الله وأولياؤه سواء أتظهر بحسب الظاهر بعض هذه الصفات في تلك الهياكل النورانيّة أو لا تظهر. وليس معنى أنّه إذا لم تظهر من تلك الأرواح المجرّدة صفة بحسب الظاهر يكون نصيبها نفي تلك الصفة عن أولئك المظاهر للصفات الإلهيّة ومعادن أسماء الرّبوبيّة..." يتّضح من هذه البيانات المبينة أنّ البهائيّة تعلّم وحدانيّة الله وفردانيّته، وتنزيه ذاته عن الحلول والخروج وعن جميع الحدودات والإشارات التي تتصوّرها الأفهام، وتنتظمها الألفاظ. وتعتقد أنّ جميع الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه هم من حيث الحقّ في مقام واحد، وأمّا من حيث الخلق فإنّ بعضهم يظهر بأشدّ نور تبعاً لاستعدادات البشر، ودرجة تقدّم العصر. وهذا معنى قوله تعالى "تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ"(البقرة:٢٥٣).

٤- قالت جبهة أصحاب الفضيلة "وإن تعجب فعجب أنّهم ينكرون معجزات الأنبياء بدعوى أنّها غير معقولة. وكذلك ينكرون البعث والجنّة والنار. ثمّ يركبون روؤسهم فيلحدون في آيات الله ويؤوّلون القرآن تأويلاً سخيفًا لا تجيزه قواعد لغته العربية ولا يقتضيه منطق العقلاء المنصفين بحال، وإن شئت أمثلة لذلك فها هم يفسّرون يوم القيامة بمجىء طاغيتهم حسين بن عليّ الذي لقّبوه بالبهاء وإليه تنسب النحلة البهائية - ويفسّرون الجنّة بالحياة الروحيّة - ويفسّرون النار بالموت الروحاني ويفسّر "الباب" نفسه قول الله تعالى "إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُم لِي سَاجِدِينَ"(يوسف:٤) بأنّ المراد من يوسف هو الحسين بن عليّ. وأنّ المراد بالشمس فاطمة بنت محمد وأنّ المراد بالقمر محمد، وأنّ المراد بالكواكب الأحد عشر أئمّة الحقّ فهم الذين يبكون على يوسف سُجَّداً".

يشتمل هذا البند على ثلاث مسائل:

الأولى - القول بأنّ البهائيين ينكرون معجزات الأنبياء بدعوى أنّها غير معقولة.
الثانية - القول بأنّ البهائيين ينكرون البعث والقيامة والجنّة والنار ثم القول أيضًا بأنّهم يفسّرونها تفسيرًا روحيًّا.
الثالثة - الاعتراض على تفسير سورة حضرة "الباب" لرؤيا سيّدنا يوسف والقول بأنّ هذا التأويل لا تجيزه قواعد لغته العربية ولا منطق العقلاء المنصفين بحال.


ونحن بدورنا نتناول هذه المسائل الثلاث بشرح موجز يقتضيه الظرف:

١- فأمّا القول بأنّ البهائيين ينكرون معجزات الأنبياء بدعوى أنّها غير معقولة، فهو قول غير صحيح على الإطلاق. ومن المصادفات العجيبة أن يجيء هذا الزعم في الترتيب بعد أن تقدّم بالقارئ الكريم بيان حضرة بهاء الله عن مقام الأنبياء بقوله (علمهم من علمه "أي علم الله" وقدرتهم من قدرته. وسلطنتهم من سلطنته.) وقوله أيضًا "وهؤلاء الهياكل القدسيّة هم المرايا الأوّليّة الأزليّة التي تحكي عن غيب الغيوب، وعن كلّ أسمائه وصفاته من علم وقدرة وسلطنة وعظمة ورحمة وحكمة وعزّة وجود وكرم..." فهم بوصفهم مظاهر عظمة الله وقدرته لا يمكن بحال أن يتصوّر في حقّهم العجز الذي يتصوّر في حقّ البشر، ولا يمكن أن يمتنع عليهم أمر يمتنع على البشر. وفضلاً عن هذه العقيدة الواضحة التي لا تترك مجالاً للتشكيك في قوّتها فإنّ البهائيين يعتقدون أيضًا بأنّ أعظم معجزة جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام كانت معجزة الكتاب الذي وصفه الله بقوله تعالى "قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا"(الإسراء:٨٨). فكتاب الله هو مصدر الهداية والنور، والحجّة البالغة التامّة الباقية التي لا يعتريها بطلان. ومع أنّ الله تبارك وتعالى قد دلّل على هذه الحقيقة في كثير من مواضع كتابه العزيز، بل وفي جميع كتبه المقدّسة، فما زاد ذلك التوجيه المبارك المكابرين في كلّ العصور إلاّ إمعانًا في الإعراض والإنكار والتكذيب، وإمعانًا في التعجيز بمختلف الطرق ولذلك نراهم قد أسرفوا في طلب المعجزات من النبي عليه الصلاة والسلام كما هو واضح في قوله تعالى "وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِي بِاللهِ وَالمَلَائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولاً"(الإسراء:٩٠-٩). ويستفاد من هذه الآية المباركة أمران. الأوّل: أنّ ظلمة الإعراض جعلت المنكرين يعمون عن طلب الهداية التي هي غاية الدين ومعجزة المعجزات" ويسرفون في طلب معجزات ظاهرة لا صلة بينها وبين الهداية، ولم تكن فيما مضى سبباً في إيمان الذين طلبوها. والأمر الثاني: واضح في قوله تعالى "قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولاً" (الإسراء:٩٣). وهكذا قطع بانتفاء الارتباط بين الرسالة التي هي الدعوة إلى الهدى والنور، وبين طلب المعجزات وخوارق العادات، وإن كانت هذه الخوارق ممّا لا يعجز عنها الأنبياء، لأنهم مظاهر قدرة الله والله على كلّ شيء قدير. وتأكيدًا بأنّ طلب المعجزات بل وظهور خوارق العادات لم يكن يوماً سبباً في هداية المنكرين، وتأكيدًا أيضًا بأنّ الكتاب الذي هو مصدر النور والهدى هوأعظم معجزة وأبلغها وأبقاها قوله تعالى في "فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوْتِيَ مِثْلَ مَا أُوْتِيَ مُوْسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوْتِيَ مُوْسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ * قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"(القصص:٤٨-٤٩). ولقد ورد في البخاري شرح القسطلاني في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنّه قال (ما من الأنبياء نبيّ إلاّ أعطى من الآيات ما آمن عليه البشر وإنّما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله تعالى إليّ فأرجوا أنّي أكثرهم تابعاً يوم القيامة). وفي الهامش قوله "آمن عليه البشر" أي ما يكفى في إيمان الناس. أي لم يكن في معجزاتهم نقص لكفاية الكلّ فيما هوالمطلوب من إيمان البشر بسببها. لكن معجزتي كلام ربّ العالمين فهي أفخر المعجزات وأعلاها قدرًا وأعظمها رتبة. إذ لا يساوى غير كلامه تعالى لكلامه تعالى قطعًا في الفضائل والبركات، فلذلك قال فأرجو أنّي أكثرهم تابعًا ... إلخ والله تعالى أعلم) انتهى.

هذه هي عقيدة البهائيين، ولا نحسب أحدًا يقول أن فيها إنكارًا لمعجزات الأنبياء، بل الأُولى أن يقال أن البهائيين يثبتون قدرة الأنبياء على الإتيان بما يعجز عنه البشر رغم انتفاء الصلة والارتباط بين هداية الله وطلب المعجزات. فالهداية والنور كَانَا برهان الطبيب الإلهي الذي جاء لشفاء علل العصر. والبهائية تقدّم اليوم نفس الدليل والبرهان فيما تعالج هذه العلل والأسقام التي تعدّدت وتضاعفت باختلاف الظروف والأسباب.

٢- أمّا القول بأن البهائيين ينكرون البعث والجنّة والنار ... إلخ ثمّ القول بأنّهم يفسّرونها تفسيرًا روحيًا. ففي هذا أيضًا تناقض. لأنّ إنكار الشيء يقتضي عدم الإيمان به في الصور وتفسير هذا الشيء تفسيرًا روحيًا يقتضي الإيمان به في صورة من الصور. وليس من المعقول أن يكون هناك دين لا يقول بالبعث والجنّة والنار ولا يعقل أيضًا أن يكون للحياة قوام بدون الثواب والعقاب. والبهائيون يعتقدون بالبعث والجنّة والنار ولعلماء الاسلام آراء شتى فيها، ولكن مهما تعدّدت الآراء واختلفت فما لا شك فيه أنّ الكلّ مجمعون على الاعتقاد بها. وقد أبدت جبهة أصحاب الفضيلة وجهة نظرنا هذه في قولها أنّ البهائيين يفسّرونها تفسيرًا روحيًا، وبهذا لا يكون خلاف على الأصل.

٣- ضربت جبهة أصحاب الفضيلة العلماء مثلاً بتفسير حضرة "الباب" لرؤيا سيّدنا يوسف عليه السلام. ووصفته بأنه تأويل سخيف لا تجيزه قواعد اللّغه العربية، ولا يرتضيه منطق العقلاء المنصفين.

وقبل أن نتناول الناحية اللّغوية يجمل في هذا المقام أن نشير إشارة مختصرة إلى ناحية دقيقة من نواحي التاريخ الروحي. ذلك بأنّ كتب الله تعالى تشمل فيما تشتمل على بعض الأخبار عن الماضي ممّا اقتضت حكمته تعالى ذكره. وأبرز وجوه هذه الحكمة ارتباط الأخبار الماضية بالوقائع اللّاحقة، وتكرار الحادث الأسبق في صورة تتّحد في الروح وتفترق في الأسماء والزمان والمكان. ومن المقرر أنّ تربية النفوس تقتضي المربّي أن يسوق الأمثلة من حوادث الماضي متخذًا منها أداة جديدة للتوجيه الروحي، ومن هذا التوجيه تتكّون أجزاء التاريخ العام. ومن أُصول التربية والتوجيه أن يكون للمربّي فكرة وهدف معين بحيث يجعل اختياره لعبر التاريخ دائرًا حول تحقيق هذا الهدف. خذ مثلاً مصر، فإنّ المربّي يعمد إلى تربية النفوس وتوجيه نهضة الشعب إلى التاريخ، ولكنّه لا يتّجه بنظره إلى قصص شعوب مجاهل أفريقيا، لأنّ هذا القصص مهما تكون جزءًا من تاريخ العالم العام فإنّها لا تصلح مثلاً لشعب ناهض كشعب مصر. ولكن الذي يفيده هو الاسترشاد بحياة الشعوب الناهضة لتقارب الشبه وتماثل الاستعداد. وأنبياء الله هم مربّوا العالم في المقام الأوّل والرتبة العليا، ولذلك يوجّهون الأُمم بأسباب متعددة ويكشفون لهم عن الحقائق بالقدر الذي يتّصل بحياتهم، وبالقدر الذي يكشف لهم عن مواقع الزلل، شأنهم شأن الطبيب الحاذق الذي يعالج المريض وينبهه إلى الابتعاد عن جراثيم المرض. فالاتّصال بين الأخبار الماضية ونفسيّة الأُمم اللّاحقة وثيق، والارتباط بين وقائع ماضية وتكرارها بأسماء وأزمنة وأمكنة متغايرة لاحقة قوي وتامّ، وإلاّ لما كان هناك ضرورة لذكرها. فحادثة رؤيا سيّدنا يوسف انصب تأويلها في زمنه على أبويه (أو على أبيه وجدّه في رواية) وعلى إخوته الأحد عشر، ولكن عندما يذكرها القرآن الكريم- شأنها شأن أية حادثة أُخرى- فإنّه يعني بها حادثًا مماثلاً يقع في الدورة الإسلامية ويعني بها عبرة تتكرر في مأساة تحل بالعترة الطاهرة النبوية فهي كما ترى ذات اتّصال وثيق بأطوار الأُمّة الإسلامية بقدر ما في قوله تعالى "وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً"(غافر:٣٤)، من صلة وثيقة بأطوار الأُمم اللّاحقة. ولنعد إلى ناحية اللغة ونعنى بها في هذا المقام المعانى والبيان. فإنّ من أوسع أبواب علم المعاني هو باب التشبيه والاستعارة. وإنّ القرآن الكريم فيما ينتظمه من لطائف الاستعارات، ودقائق التشبيهات وبدائع الترتيب، وجواهر الترصيع يعتبر آية الفصاحة ومعجزة البيان. وأظهر مثال تمثل به علماء البيان في باب التشبيه والاستعارة هو تمثل الإنسان بالشمس لحسن الطلعة ورفعة الشأن كما جاء في شرح تلخيص المفتاح بعد تقسيم التشبيه بالحسّي والعقلي والمختلف الذي بعضه حسّي وبعضه عقلي كحسن الطلعة الذي هو حسّي ونباهة الشأن الذي هو عقلي في تشبيه إنسان بالشمس.

وشاع عند فصحاء العرب إطلاق لفظ السماء على الدين. والقمر على النبي صلّى الله عليه وسلم. والنجوم على أئمّة الهدى والخلفاء الراشدين. ولا أدل على ذلك من القصيدة المشهورة لكميت بن يزيد الأسدي التي مطلعها:

        ألا حييت عنا يا مدينا           وهل ناس تقول مسلمينا

وقد نظمت كميت هذه القصيدة في أيام خلافة الأمويين في فضائل النذارية أجداد النبي عليه الصلاة والسلام على قحطان. واشتهرت هذه القصيدة بقوّة بلاغها وتأثيرها بحيث نشبت بسببها الحروب الهائلة التي انتهت بزوال الخلافة الأمويّة وقيام الخلافة العباسيّة كما هو مفصّل في تاريخ مروج الذهب ومعادن الجوهر للسعودي، وممّا جاء في تلك القصيدة:

          لنا قمر السماء وكلّ نجم           تشير إليه أيدى المهتدينا
          لنا جعل المكارم خاصّات       وللناس القفا ولنا الجبينا

ومن الواضح أنّه لا يقصد من لفظ القمر والسماء والنجوم هذا القمر وهذه السماء وهذه النجوم الظاهرة لأنّ هذه كلّها مِلْكٌ للناس بغير استثناء، ولكنّه قصد بالقمر النبي عليه الصلاة والسلام وبالسماء الديانة الإسلامية وبالنجوم الخلفاء الراشدين وأئمّة الهدى. ومن الأمثلة أيضًا على إطلاق لفظ النجوم على الأئمّة والخلفاء وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ما جاء في الحديث الشريف الوارد في الفقه الأكبر للإمام الشافعي رضي الله عنه "أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديهم".

ومن الأمثلة على أنّ إطلاق السماء على الدين والقمر على النبي عليه الصلاة والسلام كان شائعًا عند فصحاء العرب ما جاء في القصيدة العينية المشهورة لهمّام بن الغالب المعروف بالفرزدق قوله:

        أخذنا بآفاق السماء عليهم           لنا قمراها والنجوم الطوالع

وقد روى شهاب الدين أحمد بن عبد ربّه الأندلسي هذا الشعر في كتاب العقد الفريد في المجلد الأول في باب نوادر النحو، وهي من أشهر قصائد الفرزدق. وفي موضع آخر من البلاغة قد عبّر بلفظ السماء بالإستعارة عن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في مطلع القصيدة الهمزية للشيخ شرف الدين الأبوصيري صاحب البردة المشهور:

        كيف ترقى رقيك الأنبياء           يا سماء ما طاولتها سماء

والخلاصة أنّنا اضطررنا إلى التقاط هذه الدراري من كتاب الفرائد للمرحوم الشيخ أبو الفضائل الجرفادقاني من الصفحة ٤٣٠ في باب الإستعارة لنوضّح أنّ التشبيه بالشمس للتعبير عن حسن الطلعة ورفعة الشأن أمر مقرّر عند أهل الفصاحة والبيان. وكذلك إطلاق القمر على النبي عليه الصلاة والسلام والنجوم أو الكواكب على الأئمّة والخلفاء الراشدين كان شائعًا عند فصحاء العرب وعلى ذلك فإن تفسير حضرة (الباب) بأنّ المراد بالشمس فاطمة وأنّ المراد بالقمر النبي عليه الصلاة والسلام وأنّ المراد بالأحد عشر كوكبًا أئمّة الهدى هو تفسير أو تأويل تقول به الفصاحة والبلاغة. أمّا إذا كان المراد هو هذه الشمس والقمر والكواكب الظاهرة فإنّ قواعد اللّغة لا توضّح لطلابها كيف تسجد، كما أنّ قواعد العلم لا تجيز أي انحراف لكوكب من الكواكب عن مركزه الطبيعي الذي حدّده الله تعالى بقدرته، لأنّ أقل انحراف ينتهى بالكون إلى الفناء. والحقّ أنّ من يتمعّن بإنصاف في تفسير حضرة الباب يدرك الكثير من عظمة الأسرارالتي أودعها الله في كتابه، وكيف أنّه تعالى كشف لسيّدنا يوسف حادثة تعد من أبرز حوادث التاريخ في الإسلام وهي استشهاد الحسين بن عليّ رضى الله عنهما، رغم طول الزمن الفاصل. ولا يوجد إعجاز لكلمات الله أعظم من الإخبار عن وقائع تتحقّق ظاهرة بارزة بعد أجيال وأجيال.

٥- قالت جبهة أصحاب الفضيلة "- ويطعن البهائيون في القرآن الكريم بأنّه يشتمل على قصص غير واقعة. ومعنى هذا أنها كاذبة غير أنهم يحاولون ستر ذلك الطعن بقولهم أن تلك القصص رموز لمعان خفية." وهذا القول أيضًا واضح التناقض. لأن اعتبار تلك القصص رموز لمعان خفية لا يفيد أيضًا التكذيب بها، ولا ينتهى أبدًا إلى ما خرجت إليه جبهة أصحاب الفضيلة من اعتبار هذا القول طعنًا في القرآن الكريم.

ولقد تقدّم بنا القول بأن علماء التفسير ختموا تفاسيرهم بالعبارة المأثورة "والله ورسوله أعلم بمراده". وكان الباعث لهم على هذا الإقرار إدراكهم الواسع، وتقديرهم التام للأسرار المودعة في بطون آيات الله. عرفوا حقّ المعرفة أنّ كتاب الله العزيز يشتمل على قسمين، قسم يختصّ بالشريعة والقوانين والأحكام وآداب العبادات كالصوم والصلاة والزكاة والحج وما شاكلها وهذا يُسَمَّى المُحْكَم وهو ما أوكل بأهل العلم شرحه وتفقيه الناس فيه. والقسم الثاني وهو الموسوم بالمتشابه، ويتّصل بالإخبار عن الحوادث المقبلة والظهورات الموعودة وشرح حالات العالم، كلّ ذلك في غلالات رقيقة من الاستعارات والتشبيهات، وهذا القسم هو ما اختصّ الله نفسه تعالى بتأويله.

فقد جاء في قوله تعالى "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فُأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيْغٌ فَيِتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيْلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيْلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ"(آل عمران:٧). ويستفاد قطعًا من هذه الآية المباركة أنّ تأويل هذا المتشابه هو من اختصاص الله تعالى، وأنّ الراسخين في العلم يسلّمون بالمشتبهات ويعلمون أنّ معانيها مستورة إلى يوم تتجلّى فيه بإذنه تعالى. وتأكيدًا بهذا اليوم قال تعالى "فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ"(القيامة:١٨-١٩). ولفظة "ثُمَّ" حسب قواعد اللّغة عطف يدل على الترتيب والتراخي و"إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ" تصريح من جانب الحقّ سبحانه وتعالى بأنه قد اختصّ ذاته بالبيان والتأويل فإذا تقرّر هذا يتقرّر بالضرورة أنّ هذا التأويل الذي وعد به الله تعالى لا يظهر إلاّ عن طريق شخص يصطفيه الله ويختصّه بكشف هذه الأسرار وإظهار المعاني المستورة عند حلول الوقت كما جرت به سنّة الله تعالى. وبتجلّي هذه الحقائق المكنونة يعرف الناس أنّ وعد الله حقّ، وأنّ ما جاءت به رسل الله حقّ، كما قال تعالى "هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَومَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ"(الأعراف:٥٣) وفي نور هذه الآيات المباركة نعرف أنّ القصص الواردة في القرآن تنطوي على معان روحية عالية تدل على مواقع عظمة الله وقدرته. أمّا الأخذ فيها بظواهر اللّفظ والعبارة فإنّنا لا نجد لها سندًا في كتب العلم والتاريخ. هذا ما يقوله البهائيون وبه ينزّهون كتاب الله عن التشكيك فيه ويثبتون عظمة هذه القصص بتعبيرات بديعة لا تترك للعلم والتاريخ مجالاً لاعتراض مبانيها العالية ومعانيها السامية.

٦- قالت جبهة أصحاب الفضيلة " ولقد تزلّف البهائيون إلى اليهود ومالؤوهم على العرب والمسلمين وبشّروهم بأنّ فلسطين ستكون وطنًا قوميًا لهم، وقال طاغيتهم عبدالبهاء واسمه عبّاس أنّه يريد أنّ يوحّد بين المسلمين والنصارى واليهود ويجمعهم على أُصول نواميس موسى عليه السلام الذي يؤمنون به جميعًا - ومعنى هذا أنّه يريد تهويد المسلمين والنصارى وأن يجعل اليهودية هي الدين السائد في الأرض وبذلك يكون السلطان في العالم كلّه لليهود".

وهذا القول هو في غاية الغرابة. فالتوحيد بين المسلمين والنصارى فكرة جليلة في ذاتها ولا يمكن أن تكون محل طعن من محبّي الخير للإنسانية. أمّا ما يجعلها غريبة فهو قول جبهة أصحاب الفضيلة بأنّ معناها تهويد المسلمين والنصارى. ولماذا لا يكون المراد منها مثلاً جعل اليهود مسيحيين أو مسلمين وهو أقرب إلى المعقول، لأنّ العالم يسير إلى الامام وليس إلى الوراء! إن التوحيد بين الملل المتنافرة والشعوب المتعادية المتحاربة كان أساس الدعوة الإلهيّة في كلّ عصر، وكان هدف كلّ رسول جمع الأُمم على أُصول الناموس الإلهي كما يتّضح من قوله تعالى "يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالُوا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا"(آل عمران:٦٤). ولا نحسب أحدًا يقول بأنّ هذه الدعوة من جانب الرسول عليه الصلاة والسلام كانت والعياذ بالله ممالأة منه لأهل الكتاب. طاف حضرة عبدالبهاء في أوروبا وأمريكا عام ١٩١١-١٩١٢ وزار المساجد والكنائس والمجامع وخطب في معاهد العلم والفلسفة وفي الأندية والشعوب وشوّقهم إلى الرجوع إلى الله والتمسّك بدين الله لأنّ الدين سبب العزّة والفلاح والنجاح، ودعاهم إلى الوحدة والأخوّة ونزع التعصبات والإقرار بجميع رسل الله وأنبيائه، ودعاهم إلى السلام والوفاق والاتّحاد حتّى تتحقّق لهم الهناءة المفتقدة. وكان من بين البلاد التي زارها حضرة عبدالبهاء مدينة جنيف بسويسرا. وهناك، في جمع حافل ضم مختلف العقائد والأجناس خطب خطبة جامعة في إثبات أحقّية الرسل ودعا الكلّ إلى الاتّحاد والاتّفاق والسلام. وقد بعث أحد المستشرقين بنصّ هذه الخطبة إلى جريدة الأهرام مصحوبة بخطاب نكتفي بأن نورد منه نصّ الخطبة وكانت باللّغة العربية وها هي:


"أيّها الحاضرون. إلى متى هذا الهجوع والسبات؟ وإلى متى هذا الرجوع القهقرى؟ وإلى متى هذا الجهل والعمى؟ وإلى متى هذه الغفلة والشقاء؟ وإلى متى هذا الظلم والاعتساف؟ وإلى متى هذا البغض والاختلاف؟ وإلى متى هذه الحمية الجاهلية؟ وإلى متى التعّصب الجنسي؟ وإلى متى التعصّب الوطني؟ وإلى متى التعصّب السياسي؟ وإلى متى التعصّب المذهبي؟ "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكْرِ اللهِ"(الحديد:١٦)، هل ختم الله على القلوب أم غشت الأبصار غشاوة الاعتساف. أو لم تنتبه النفوس بأنّ الله قد فاضت فيوضاته على العموم! خلق الخلق بقدرته، ورزق الكلّ برحمته، وَرَبَّى الكلّ بربوبيّته، "مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ"(الملك:٣). فلنتبع الربّ الجليل في حسن السياسة وحسن المعاملة والفضل والجود، ولنترك الجور والطغيان، ونلتئم التئام ذوي القربى بالعدل والإحسان، ولنمتزج امتزاج الماء والراح، ولنتّحد اتّحاد الأرواح. ولا نكاد نؤسس سياسة أعظم من سياسة الله، ولا نقدر أن نجد شيئًا يوافق عالم الإنسان أعظم من فيوضات الله، ولكم أسوة حسنة في الربّ الجليل فلا تبدّلوا نعمة الله وهي الأُلفة التامّة في هذا السبيل. عليكم يا عباد الله بترك الاختلاف، وتأسيس الائتلاف والحب والإنصاف والعدل وعدم الاعتساف.

أيها الحاضرون. لقد مضت القرون، وَطُوِيَ بساط البغضاء والشحناء حيث أشرق هذا القرن بأنوار ساطعة، وفيوضات لامعة، وآثار ظاهرة وآيات باهرة. والأنوار كاشفة للظلام دافعة للآلام، داعية للائتلاف قامعة للاختلاف ألّا إنّ الأبصار قد قرّت، وإنَ الآذان قد وعت، وإنّ العقول قد أدركت أنّ الأديان الإلهيّة مبنيّة على الفضائل الإنسانية ومنها الأُلفة والوداد بين العموم، والوحدة والاتّفاق بين الجمهور.

يا قوم. ألستم من سلالة واحدة!؟ ألستم أفنانًا وأوراقًا من دوحة واحدة!؟ ألستم مشمولين بلحظات أعين الرحمانية!؟ ألستم مستغرقين في بحار الرحمة من الحضرة الوحدانيّة!؟ ألستم عبيدًا للعتبة الرّبّانيّة!؟ هل أنتم في ريبٍ أنّ الأنبياء كلّهم من عند الله؟ وأنّ الشرائع قد تحقّقت بكلمة الله، وما بعثهم الله إلاّ للتعليم وتربية الإنسان وتثقيف عقول البشر، والتدرج إلى المعارج العالية من الفلاح والنجاح. وقد ثبت بالبرهان الساطع أنّ الأنبياء اختارهم الله رحمة للعالمين وليسوا نقمة للسائرين. وكلّهم دعوا إلى الهدى وتمسّكوا بالعروة الوثقى حتّى أن أنقذوا الأُمم السالفة من حضيض الجهل والعمى إلى أوج الفضل والنُّهى. فمن أمعن النظر في حقيقة التاريخ المنبئة الكاشفة لحقائق الأسرار من القرون الأُولى يتحقّق عنده بأنّ موسى عليه السلام أنقذ بني إسرائيل من الذل والهوان والأسر والخذلان. وربّاهم بتأييد من شديد القوى حتّى أوصلهم إلى أوج العزّة والعلا، ومهّد لهم السعادة الكبرى، وَمَنَّ الله عليهم بعدما استُضعِفوا في الأرض، وجعلهم أئمّة من ورثة الكتاب وحَمَلَة لفصل الخطاب، حتّى كان منهم عظماء الرجال، وأنبياء أسّسوا لهم السعادة والإقبال، وهذا برهان ساطع واضح على نبوّته عليه السلام. وأمّا المسيح الجليل، كلمة الله وروح الله المؤيّد بالإنجيل، فقد بعثه الله بين قوم ذلت رقابهم وخضعت أعناقهم وخشعت أصواتهم لسلطة الرومان، فنفخ فيهم روح الحياة وأحياهم بعد الممات، وجعلهم أئمّة في الأرض، خضعت لهم الرومان وخشعت لهم اليونان وطبق الأرض صيتهم إلى هذا الأوان. وأمّا الرسول الكريم، محمد المصطفى عليه الصلاة والسلام والتسليم، فقد بعثه الله في وادٍ غير ذي زرع لا نبات به، بين ظهور قبائل متنافرة وشعوب متحاربة وأقوام ساقطة في حضيض الجهل والعمى، لا يعلمون من دحّاها ولا يعرفون حرفًا من الكتاب، ولا يدركون فصلاً من الخطاب، أقوام متشتتة في بادية العرب يعيشون في صحراء من الرمال بلبن النياق وقليل من النخيل والأعشاب. فما كانت بعثته عليه السلام إلاّ كنفخ الروح في الأجساد، أو كإيقاد سراج منير في حالك من الظلام. فتنوّرت تلك البادية الشاسعة القاحلة الخاوية بتلك الأنوار الساطعة على الأرجاء. فانتهض القوم من رقد الضلال وتنوّرت أبصارهم بنور الهدى في تلك الأيام، فاتّسعت عقولهم، وانتعشت نفوسهم، وانشرحت صدورهم بآيات التوحيد فرتّلت عليهم بأبدع الألحان. وبهذا الفيض الجليل قد نجحوا ووصلوا إلى الأوج العظيم حتّى شاعت وذاعت فضائلهم في الآفاق، فأصبحوا نجومًا ساطعة الإشراق.

فانظروا إلى الآثار الكاشفة للأسرار حتّى تنّصفوا بأنّ ذلك الرجل الجليل كان مبدأ الفيض لذلك القوم الضئيل، وسراج الهدى لقبائل خاضت في ظلام الهوى، وأوصلهم الى أوج العزّة والإقبال ومكّنهم من حياة طيبة في الآخرة والأولى. أَمَا كانت هذه القوَة الباهرة الخارقة للعادة برهانًا كافيًا على تلك النبوّة الساطعة. لعمر الله إنّ كلّ منصف من البشر يشهد بملء اليقين أنّ هؤلاء الرجال كانوا أعلام الهدى بين الورى، ورايات الآيات الخافقة على صروح المجد في كلّ الجهات. وتلك العصبة الجليلة استشرقت فأشرقت، واستضاءت فأضاءت، واستفاضت فأفاضت، واقتبست الأنوار من حيّز ملكوت الأسرار، وسطعت بأنوار الوحي على عالم الأفكار. ثم إنّ هذه النجوم الساطعة من أفق الحقيقة إئتلفت واتّحدت واتّفقت، وبشّر كلّ سلف عن كلّ خلف، وصدّق كلّ خلف نبوّة كلّ سلف، فما بالكم أنتم يا قوم، تختلفون وتتجادلون وتتنازعون ولكم أسوة حسنة في هذه المظاهر النورانيّة والمطالع الرحمانيّة ومهابط الوحي للعصبة الرّبّانيّة وهل بعد هذا البرهان يجوز الإرتياب والتمسّك بأوهام أوهن من بيت العنكبوت وما أنزل الله بها من سلطان.

يا قوم البدار البدار إلى الألفة. عليكم بترك البغضاء والشحناء عليكم بترك الجدال. عليكم بدفع الضلال. عليكم بكشف الظلام. عليكم بتحرّي الحقيقة فيما مضى من الأيام. فإذا ائتلفتم اغتنمتم. وإذا اختلفتم اعتسفتم عن سبيل الهدى، وغضضتم النظر عن الحقيقة والنُّهى، وخضتم في بحور الوهم والهوى، إنّ هذا لضلالة مهلكة للورى. وأمّا إذا اتّحدتم وامتزجتم وائتلقتم فيؤيدكم شديد القوى بصلح وصلاح وحب وسلام، وحياة طيبة، وعزّة أبديّة، وسعادة سرمديّة، والسلام على من اتبع الهدى.


هذه دعوة حضرة عبدالبهاء للأُمم بغير تفضيل أو استثناء، أثبت فيها حقيقة أنبياء الله وبأنّهم كانوا سبب عزّتهم وسعادتهم، وأنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا متّفقين متّحدين، وكانت غايتهم اتّحاد واتّفاق بني الإنسان. فدعوة حضرة عبدالبهاء لليهود والمسيحيين والمسلمين بأن يتّحدوا ويتّفقوا حَرِيَّةً بأن تُقَابَلَ من محبّي الإنسانيّة بكلّ تقدير، وإثباته لرسالة سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام لأهل الغرب جديرة أيضًا بأنّ تقابل بالإجلال من العالم الإسلامي. والبهائية دعوة إلهيّة عامّة تدعو الجميع إلى الله، والإقرار برسله وأنبيائه وكتبه. وتدعو الكلّ إلى المحبّة والأخوّة والاتّحاد والسلام وتحظر على أتباعها التدخّل في الأمور السياسية، وتأمرهم بعدم الاندماج في حزب من الأحزاب. فالعالم في تعاليم حضرة بهاء الله إخوان، ولا يجوز أن تفرق بينهم عوامل الحزبيّة أو التعصّبات. وما دام الله تعالى واحد فيجب أن يكون الناس وهم خلقه - واحدًا، وأن يتمسّكوا بأسباب الاتّحاد فيما بينهم. لذلك يقول حضرة "بهاء الله" في الإشراق السادس "كلّكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد". دعا حضرة "عبدالبهاء" اليهود والمسيحيين والمسلمين إلى الاتّحاد، وليس في هذه الدعوة ممالأة لأُمّة على أُمّة ولا لدين على دين. ويا ليت اليهود أقاموا أُصول نواميس سيّدنا موسى عليه السلام إذًا لأقروا بسيّدنا عيسى ولآمنوا بسيّدنا محمد لأنّ ناموس الله نور والنور يهدى إلى النور.

٧- قالت جبهة أصحاب الفضيلة "والمتأمل في نحلة البهائيين يجدها خليطاً مشوّشاً من ديانات وأفكار مختلفة ومتناقضة - ففيها من الإسلام والمسيحية واليهودية وفيها من البوذيّة والبرهميّة والزردشتيّة، وفيها من اعتقادات الباطنية والفلاسفة ... إلخ"

إنّ النظرة التي نظرتها جبهة أصحاب الفضيلة العلماء تختلف مع النظرة الواسعة التي ينظر بها البهائيون إلى الدين، بل تختلف مع تاريخ الأديان في أدقّ تعبير. فالبهائية كالإسلام والمسيحية واليهودية والزردشتية والبوذية والبرهمية وغيرها من الأديان، حلقة من حلقات التاريخ الروحي تصل بين الإبداع القديم والطراز الحديث الذي كان سنّة الله في كلّ عصر من عصور رسالاته. ولذلك فإنّ المتتبّع للتطوّر الروحي والمتدبّر في كتب الله وشرائعه المحدثة لهذا التطوّر، لا يمكنه أن يصف الإسلام مثلاً بأنّه خليط من المسيحية واليهودية والصابئة، ولا المسيحية بأنّها خليط من اليهودية والبوذية. ونظرة البهائية إلى الدين هي أنّه يظهر جامعًا لفضائل العصور السابقة ومميّزات عصره في وصل رائع على هيئة شريعة جديدة تنفخ بروح جديد في هيكل الوجود، وتفتح للعالم دورًا جديدًا من التقدّم وتتأسس فيه حضارة جديدة، وتنكشف فيه آفاق جديدة للفهم والإدراك. فهو أشبه ما يكون بالبوتقة التي توضع فيها العقائد والفلسفات الخاصّة والعامّة ثمّ تخرج صافية بعد إذابة ما علق بها من بدع وخرافات وأوهام. وإلى هذه الحقيقة يشير حضرة "بهاء الله" في صفحة ١٠ من المجموعة المباركة قوله "فاعلم بأنّ كلمة الله تبارك وتعالى في الحقيقة الأوّليّة والمرتبة الأُولى تكون جامعة للمعاني التي احتجب عن إدراكها أكثر الناس. نشهد بأنّ كلماته تامّات. وفي كلّ منها سترت معان ما اطّلع بها أحد إلاّ نفسه ومن عنده علم الكتاب لا إله إلاّ هو المقتدر العزيز الوهّاب". وقول الله تعالى في القرآن الكريم "شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوْحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوْسَى وَعِيْسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيْهِ"(الشورى:١٣) هو إشعار بالحقيقة الجامعة لكلمته المباركة، ولا يمكن لعاقل أن يصفها بأنّها خليط من هذه الأديان. فكلمة الله في كلّ عصر جامعة لجميع التعاليم والفضائل والمميّزات التي كانت في العصور السابقة، وكذلك مميزات عصرها.

أمّا الباطنيّة فأمرها معروف في التاريخ. فهي فرقة من الفرق الإسلامية التي أُنشئت لمقاصد سياسية ومطامع زمنية أكثر منها دينية أو مذهبية. وكانت تتلمس طريقها إلى تحقيق مقاصدها في السياسة والمُلْكِ بالتستّر والخفاء في مبادئها، ولذا سمّيت بالباطنية. وكان بينها وبين الفِرق الإسلامية الأُخرى عداء مستمر. وهذه حقيقة الباطنية باختصار والبهائية ليست لها مطامع سياسية ولا زمنيّة بل كما أسلفنا تحظر على أتباعها التدخّل في الشئون السياسية. ولم تكن البهائية أيضًا في يوم من الأيام مستورة مخفية، بل كانت في جميع الأوقات ظاهرة في نشأتها وتعاليمها ومبادئها، لا يحوطها شيء من الغموض والإبهام. والبهائية لا تنتمي إلى ديانة بالذات، ولا هي فرقة أو مذهب، وإنّما هي دعوة إلهيّة جديدة غايتها تحقيق الاتّحاد والتفاهم بين أهل الأديان وإزالة أسباب الاختلافات من بينهم. وبما أنّ جميع الاختلافات القائمة بين أهل الأديان لا أصل لها في حقيقة الدين فإنّ البهائية توضّح هذه الناحية وباتضاحها تزول الاختلافات.

٨- قالت جبهة أصحاب الفضيلة "ولقد خدعت هذه الطائفة فريقاً من المسلمين بجملة أمور منها تظاهرهم بأنهم فرقة إسلامية، ومنها تمسّحهم بالقرآن الكريم والسنّة النبوّية... ومنها كتمانهم بعض معتقداتهم الكافرة الخاطئة - ومنها ظهورهم بأنّهم دعاة إلى ما تقتضيه المدنيّة ويكشف عنه العلم الحديث. مثل ادّعائهم أن غرضهم إيجاد السلام على الأرض وتوحيد الأديان وإزالة الفوارق بين بني الإنسان والمساواة بين المرأة والرجل في التعليم والحقوق والواجبات. واتّفاق الأُمم على لغة عالمية واحدة. وتأسيس محكمة عمومية تحل مشاكل الأمم، ونشر السلام العام، ونبذ التعصّبات الدينيّة".

فأمّا عن الشطر الأوّل، فإنّ ما قدّمناه من الإيضاحات كاف لتعديل وجهة نظر جبهة أصحاب الفضيلة العلماء. فالبهائيون يؤمنون بالإسلام وبجميع الأديان، وبالقرآن وبجميع الكتب الإلهيّة، وبالنبي وجميع الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه. وعقائدهم واضحة صريحة، لا كتمان فيها ولا خفاء. وإنّها صورة جامعة كاملة للعقائد المنصوصة في كتب الله العزيز المجيد. بقي أن نتناول بكلمة تلك المبادىء البهائية التي أوردتها جبهة أصحاب الفضيلة فقد كنا نأمل أن تقول رأيها فيها، وما إذا كانت جديرة بتقدير أهل الدين والفضل. لأنّه ما من مُصْلِحٍ وَمُحِبٍّ للإنسانيّة وينظر هذه التعاليم إلاّ ويجد فيها صورة كاملة لأعزّ أمانيه، وتاجًا وهّاجًا مُعَدًّا للإنسانية في عصر العلم والنور. فلو أنّ العالم أخذ بها مختارًا، ولم تحاول عوامل التعصّب والتقليد إطفاء شعلتها لكان ذلك خيرًا له، ولجنّب نفسه الكوارث والويلات. ومع كلّ هذا نراه حائمًا حولها كالفراشة محترقًا بنورها لأنّها آماله وأمانيه في وعيه الجديد. فالعالم اليوم بكافة طبقاته وعقائده وألوانه وأجناسه يرى فيها مُثله العليا، ويعمل جاهدًا بكلّ قواه لتحقيقها على وجه الأرض مستعينًا في ذلك بعقد المجالس والمؤتمرات وغيرها، ويعلن عنها في كلّ حين أنّها أساس ثقافة الجيل الجديد، وإنّها الوسيلة الكاملة للقضاء على الاختلافات والأحقاد بين الأُمم، والبلسم الشافي لجراح العالم الدامية. وما نحسب عاقلاً يصف العقول التي تسيغها قاصرة ساذجة جاهلة، وما نحسب أيضًا أنّ جبهة أصحاب الفضيلة العلماء ترى أنّ العالم في خير وسلام، وأنّ أمراضه التي يشخّصها البهائيون لا وجود لها. وما نظن كذلك أحدًا من محبّي الخير للإنسانية يوافق على بقاء الحروب والثورات والفتن مشبوبة أو يقول بأنّ الأديان يجب أن تظلّ متعدّدة متفرّقة، والإنسان منكورًا من أخيه الإنسان. ونستبعد أيضًا أن يكون من بين أهل العلم والفضل من يقول بوجوب بقاء المرأة متأخّرة لتخرج للعالم جيلاً ضعيفًا متأخّرًا. فالأديان قد كفلت للمرأة حقوقها تدريجًا. وقد وسعت الشريعة الإسلامية تلك الحقوق وهيّأت للمرأة سبيل الحصول على حقوق كانت محرومة منها فيما مضى. أمّا الاتّفاق على لغة عالمية واحدة فهو من ألزم اللوازم لعالم يتّجه الى العالمية في كلّ خطواته. وليس من المعقول أن يظلّ مع هذا محتفظًا ببرج بابل لتفنى على جوانبه زهرة العمر في تحصيل لغات لا حصر لها بينما العالم في مجموعه لا يحتاج إلاّ إلى لغتين إحداهما اللغة القومية لكلّ أُمّة، والثانية اللغة العامّة يتعلّمها أهل الشرق والغرب، وتكون أداة التفاهم والتعامل. ولا نظن أيضًا أنّ من بين أهل العلم والفضل من يقول بوجوب بقاء مشاكل الأُمم في اتّساع وتفاقم من دون حاجة إلى محكمة تعيد لها استقراها وأمانها. فالمشاكل بين الأُمم أصل الحروب، والحروب علّة الشقاء وأداة الخراب والدمار. وإذا كانت الحروب في العصور الماضية تحدث بين حين وحين، أو باستمرار فإنّها كانت تحدث في جزء من العالم دون بقية الأجزاء. أمّا اليوم فإنّ الشرارة التي تطير في الغرب تحرق ما في الشرق والغرب والشمال والجنوب. وأخيرًا لا نظن عاقلاً في العالم يقول بوجوب بقاء الفتن مثارة بين الأُمم والطبقات وبين المذاهب وبين الطوائف، ونيران التعصّبات متأججة بين أهل الأديان.

وبالاختصار. فالبهائية تدعو إلى السلام والاتّحاد والأخوة والطمأنينة وزوال التعصّبات الدينيّة، وهذه وغيرها من المبادئ والتعاليم البهائية موهبة الله في هذا العصر المجيد.

كلمة ختامية

نشرنا التحذير في المقدّمة. ونحسب أنّنا حققنا بذلك رغبة جبهة أصحاب الفضيلة العلماء. وما قصدنا بكلمتنا ردًّا. وإنّما أردنا بيانًا وتنويرًا للأذهان في مسائل عرضها التحذير عرضًا ينقصه التمحيص، وفي مسائل أُخرى نسبت ظلمًا إلى البهائيين ولم يكن لها سند من دليل أو شبه دليل. وما أردنا بكلمتنا هذه أيضًا إلاّ الكشف عن أفق غير ذلك الأفق الذي اعتادت الوجوه أن تتقلّب فيه. فالدين في العقيدة البهائية هو كما أوضحه حضرة "بهاء الله" في الإشراق التاسع بقوله: "إن دين الله وسنّته قد نزلا وظهرا من مشيئة مالك القدم لمحض اتّحاد أهل العالم واتّفاقهم، فلا تجعلوه سبب الاختلاف والنفاق. ولم يزل الدين الإلهي والشريعة الرّبّانيّة السبب الأعظم والوسيلة الكبرى لظهور نيّر الاتّحاد وإشراقه. ونمو العالم، وتربية الأُمم، واطمئنان العباد، وراحة من في البلاد منوط بالأُصول والأحكام الإلهيّة. فهي السبب الأعظم لهذه العطية الكبرى، تهب كأس البقاء وتعطي الحياة الخالدة، وتمنح الحياة السرمديّة". فإذا ما اختفى الأمن والطمأنينة والسلام والأخلاق الفاضلة الكريمة - وهذه آثار الدين - انقلبت أوضاع الحياة، وتجرّدت من الروح وأظلمت الآفاق، وعمّ البلاء، وسادت الفوضى، وأصبح واجبًا على المفكّرين والمصلحين أن يستعرضوا عللها ويتدبّروا علاجها. وليس يضعف من جهودهم أو يحطّ من قدرهم أن يتكاتفوا مع كلّ دعوة تعمل مخلصة على تحقيق هذه الآثار من جديد، وبعث دين الله من جديد.

لا يوجد دين يعلّم بغير وحدانيّة الله وفردانيّته، أو يدعو إلى غير الإيمان والطاعة والتسليم بأوامره وأحكامه التي هي سبب سعادة العالم وحياته. ولا يوجد أيضًا فرد من البشر يعتقد بغير إله واحد مهما تعدّدت الأوصاف والأسماء. ولم يأت رسول إلهي داعيًا إلى غير المحبّة والاتّحاد والسلام بين العالم.

هذه هي الوظيفة الأساسية للأديان كافّة. فهي تهدف إلى إرجاع البشر إلى ناموس الحياة الحقّة، وتخليصه من براثن الطبيعة التي لا تعرف غير التفرقة والانقسام وتنازع البقاء. وعلماء الأُمم هم ورثة الأنبياء، وهم أُولى الناس بإدراك هذه الحقائق، وأحقّ الناس بتوجيه البشر إلى المحبّة والاتّحاد، لذلك يخاطبهم حضرة "بهاء الله" في الإشراق السابع من الكلمات الفردوسية بقوله "يا علماء الأُمم غُضُّوا الأعين عن التجانب والابتعاد وانظروا إلى التقارب والاتّحاد، وتمسّكوا بالأسباب التي توجب الراحة والاطمئنان لعموم أهل الإمكان، إنّ وجه الأرض عبارة عن شبر واحد، ووطن واحد، ومقام واحد، فتجاوزوا عن الافتخار الموجب للاختلاف، وتوجّهوا إلى ما هو علّة الاتّفاق".

لم يكن مطلب البهائية يومًا من الأيام تكوين أُمّة جديدة، وإنّما الذي كان ولا يزال أعزّ مطلب لها هو القيام بنصيبها كاملاً في تكوين عالم جديد. فتقيم من تعالميها معبرًا تعبر عليه جميع الأُمم والشعوب إلى حيث تلتقي معًا على صرح جديد من التعارف والتفاهم وزوال الاختلافات، وعندها يتعانق الكلّ عناق الحب والاتّحاد الذي لا تنفصم عراه. وعلى هذا الصرح الجديد ترتفع منائر الهداية ممثّلة كافّة العقائد والأديان في نسق رائع واتّحاد وسلام مقيم. فلا تتعادى عقيدة مع عقيدة، ولا تفتخر أُمّة على أُمّة بل يفتخر الجميع بأنّهم رجعوا إلى ربّهم، والله محبّة وسلام، ومن أسمائه الحسنى "السلام".

على هذا المحور تدور التعاليم البهائية، وتدعو الجميع إلى التخلّص من أغلال الضغينة والبغضاء، والعيش معًا على الوجه الذي يرجوه لهم حضرة "بهاء الله" بقوله في البشارة الثانية "عاشروا يا قوم مع الأديان كلّها بالرًّوح والرَّيحان." وكما يقول في الطراز الثاني "يجب على أهل الصفاء والوفاء أن يعاشروا جميع أهل العالم بالرَّوح والرَّيحان. لأنّ المعاشرة لم تزل ولا تزال سبب الاتّحاد والاتفاق. وهما سبب نظام العالم وحياة الأُمم. طوبى للذين تمسّكوا بحبل الشفقة والرحمة، وخلت نفوسهم من الضغينة والبغضاء".

ويسلتزم الصفاء أن يتمسّك الكلّ بالنظام واحترام القانون، والسلوك مع الحكومات بمسلك الأمانة والولاء. لأنّ على هذا المبدأ تستقيم الأُمور، ويتعاون الحاكم والمحكوم على ما يكون سبباً في سعادة المجموع. ولذلك يقول حضرة "بهاء الله" في البشارة الخامسة "إنّ هذا الحزب إذا أقام في بلاد أي دولة يجب عليه أن يسلك مع تلك الدولة بالأمانة والصدق والصفاء". ويتطلّب أيضاً نفس الصفاء أن تتكاتف الحكومات على تحقيق الصلح الأكبر الذي وصفه حضرة "بهاء الله" في الإشراق الثاني بأنّه "هو السبب الأعظم لحفظ البشر. إنّ سلاطين الآفاق يجب عليهم أن يتّفقوا فيما بينهم على التمسّك بهذا الأمر (الصلح الأكبر) الذي هو السبب الأعظم لراحة العالم وحفظ الأُمم. فهم مشارق قدرة الله، ومطالع اقتداره. نسأل الحقّ أن يؤيّدهم على ما هو السبب لراحة العباد".

هذه كما ترى، أعز آمال البهائية. فدعوتها محبّة وسلام واتّحاد ووئام. لا تفرّق بين أًُمَّة وأُمّة، ولا بين دين ودين. فالكلّ من الله وجميعهم آيات قدرة الله ورحمته، فلماذا يستمر التفرّق والعداء بين خلق الله الواحد، لماذا لا يعيشون معاً بروح المحبّة والإخاء والاتّحاد والسلام.

هذه كلمتنا نتوجّه بها إلى أهل الإنصاف ونختمها بما قاله حضرة "بهاء الله" في الكلمات المكنونة في مقام الإنصاف:

يا ابن الروح

"أحبّ الأشياء عندي الإنصاف لا ترغب عنه إن تكن إِلَيَّ راغباً ولا تغفل منه لتكون لي أميناً، وأنت توفق بذلك أن تشاهد الأشياء بعينك لا بعين العباد، وتعرفها بمعرفتك لا بمعرفة أحد في البلاد. فكّر في ذلك كيف ينبغي أن تكون. ذلك من عطيتي عليك وعنايتي لك فاجعله أَمَام عينيك."


لجنة النشر المركزية للبهائيين


%
تقدم القراءة
- / -