الدين البهائي
"لتكن رؤيتكم عالمية ..." -- حضرة بهاء الله
"لو رزقت قليلًا من زلال المعرفة الإلهيّة لعرفت بأنَّ الحياة الحقيقيّة هي حياة القلب لا حياةُ الجسد ..." -- حضرة بهاء الله
"إن دين الله ومذهب الله يهدف إلى حفظ واتحاد واتفاق العالم والمحبة والألفة بين اهل العالم." -- حضرة بهاء الله

خامساً: مجيء اليوم الموعود

لو أمعنّا النظر في متون الكتب المقدسة السابقة لنرى أنها تشير إلى شئ واحد مشترك مضمونه مجيء يوم عظيم في المستقبل تنتهي فيه الحروب والنزاعات ويعيش البشر جميعهم سواسية في محبة ووحدة وأخوة إنسانية حقيقية ويعم السلام والسعادة والإخاء في شتى أنحاء الكرة الأرضية. كما تشير النصوص والاحاديث والروايات إلى تزامن كل ذلك بظهور شخص أو شخصين يعملان على تحقيق كل ذلك. ولربما لا تتفق الأحاديث الإسلامية على شروط وزمن وعلامات تحقق كل ذلك ولكنها تتفق على أن هناك ظهورين عظيمين آتيين لا محال. ففي التوراة مثلا جاء في سفر إشعياء: {فيقضي بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين فيطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل لا ترفع أمةٌ على أمةٍ سيفاً ولا يتعلمون الحرب في ما بعد}[۱]. وعن الشخص الموعود: {بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه}[٢]{فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمّن معاً وصبي صغير يسوقها}[٣].


ومن المعتقدات الثابتة لدى المسيحيين هو عودة المسيح عليه السلام ليحقق ملكوت الله على الأرض كما في السماء ويعمّ السلام والعدالة كافة أرجاء الكرة الأرضية حيث جاء في انجيل لوقا: {فقال لهم متى صليتم فقولوا أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض}[٤] وجاء أيضاً: {لأني أقول لكم إنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب}[٥]. وأيضاً: {اسهروا إذاّ لأنكم لا تعلمون متى يأتي رب البيت أمساءً أم نصف الليل أم صياح الديك أم صباحاً. لئلا يأتي بغتة فيجدكم نياماً.}[٦] وأيضاً {ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذٍ يجلس على كرسي مجده}[٧].


وفي كتاب أفيستا وهو الكتاب المقدس للزردشتيين فقد جاء: {في ذلك الوقت سيظهر وابسين سوشيانس وسيكمل طهارة وحداثة العالم وسيزيل أصل الشر وأذى الشيطان … ستبدأ دورة جديدة للعالم وسيكون دوماً بعيداً عن الأذى والمحن}[٨]. وفي مواقع اخرى من نفس الكتاب هناك إشارات بظهور هوشيدر وشاه بهرام.


أما في الإسلام فهناك عشرات الأحاديث النبوية الصحيحة حول مجيء شخصين عظيمين بعد سيدنا محمد (ص) وقد اتفقت الشيعة والسنة على ذلك وإن اختلفت في التسمية. فمن الأصول المسلّمة لدى الشيعة ظهور الإمام القائم وقد سمّي بالمهدي المنتظر والإمام الثاني عشر وهي الشخصية العظيمة الأولى، أما الثانية فهو رجعة الإمام الحسين عليه السلام أو الرجعة الحسينية. كما أن السنّة قد اتفقت مع الشيعة على الشخصية الأولى وهو ظهور المهدي المنتظر بينما اعتبرت الشخصية الثانية العظيمة هي عودة عيسى بن مريم. كما ان هناك أحاديث تشير إلى مجيء هذين الشخصين العظيمين قبل قيام الساعة، أي أن ظهورهما هو ايذانٌ بوقوع القيامة وهو من إشراط الساعة. أما في القرآن الكريم فإن الآيات القرآنية عن ظهور هذين الشخصين العظيمين لم تذكر بوضوح وإنما اعتبرت من الآيات “المتشابهات” أي ما يحتمل تأويله وتفسيره ولكن اعتقد بعض علماء المسلمين والمفكرين بأن مجيء المخلص أو المهدي المنتظر او عودة عيسى بن مريم قد ذكرت تلميحاً في كتاب الله عزّ وجلّ قوله تعالى : {واستمع يوم ينادي المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج}[٩]. حيث اعتبر بعض المفسرين أن المنادي هو الإمام المهدي المنتظر بينما اعتبره الآخرون عيسى بن مريم. كما فسرّ بعض علماء المسلمين بأن لقاء الله المذكورة في القران الكريم المقصود به لقاء من وعد الإسلام بظهوره حيث جاء: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآتٍ وهو السميع العليم}[١٠].


أما الأحاديث النبوية الشريفة التي أشارت إلى الظهورين العظيمين فهي عديدة ننقل هنا بعضاً منها: {والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الحرب ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها}[١١] وأيضا :{ستطلع عليكم رايات سود من خراسان فاتوها ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي}[١٢]. {ثم يجئ عيسى ابن مريم من قبل المغرب مصدقاً بمحمد وعلى ملته ثم إنما هو قيام الساعة}[١٣]. {المهدي من عترتي من ولد فاطمة}[١٤]. {يقوم القائم بأمر جديد وكتاب جديد وقضاء جديد وعلى العرب شديد}[١٥]. {يظهر من بني هاشم صبي ذو أحكام جديدة فيدعو الناس … وأكثر أعدائه العلماء}[١٦].


[١٩]

هناك آيات وأحاديث كثيرة أخرى تشير إلى مآسي وآلام تتوقعها البشرية في المستقبل وإلى نبّوات وأحداث مختلفة ومتنوعة ولكنها شديدة في وقوعها ويتزامن كل ذلك مع قرب ظهور ظهورين عظيمين في العالم ومجيء ”يوم الله“ كما سمّي في بعض النصوص وتحقق النبوات والبشارات الإلهية وبداية ظهور الأرض الطيبة والمدينة الفاضلة وملكوت الله على الأرض. ولكن ليس المجال هنا للاستدلال لإثبات صحة دعوة حضرة الباب (المبشّر) وحضرة بهاءالله وتطابقهما مع بشارات الكتب المقدسة والأحاديث النبوية الشريفة وإنما يمكن للقارئ قراءة المزيد عن ذلك في الكتب البهائية بهذا الخصوص.


إننا ننظر إلى هذه الوعود والبشارات والتنبؤات بنظرة تفاؤلية مصدرها أنه لا بد لهذه النزاعات والصراعات التي تشتد في عالمنا اليوم أن تزول في يوم ما، وتنتهي هذه الآلام والتعصبات إلى الأبد ويتحقق ما وعده الرحمن لبني الإنسان في أجمل وأحلى صورة. فالسلام العظيم لابد أن يأتي في يوم ما، وما ملكوت الله إلا حضارة عالمية أساسها مبادئ العدالة الاجتماعية ومبنية على الإنجازات الروحية والفكرية التي حققها البشر على نحو لا يمكن للعصر الحاضر أن يتخيله. إن التفاؤل الذي يخالجنا كبهائيين مصدره المبادئ والقيم العالية التي أتى بها بهاءالله للبشرية عندما أعلن للعالم {قد أتى اليوم الموعود}[١٧] وأن الموعود نفسه قد ظهر، وأعلن عن المبادئ والقيم التي ستعمل على إنهاء الصراعات والحروب وتضع حداً لمعاناة البشرية، بل إن النظرة التفاؤلية جاءت من الوسائل والظروف التي أصبحت اليوم متاحة أكثر من أي وقت مضى في سبيل ايجاد عالم جديد تسوده المحبة والمساواة والعدل ويمكن أن تساهم هذه الوسائل بشكل فعال في تسريع تحقق ذلك اليوم الموعود المذكور في جميع الكتب المقدسة والذي نعيشه اليوم ونرى بأم أعيننا تحقق بعض وعوده وبشاراته يوماً بعد يوم. ولهذا يسعى البهائيون، حسب ما تسمح به امكانياتهم إلى التعاون مع اعداد متزايدة من الحركات والمنظمات والجماعات والأفراد للقيام بجهود مشتركة تهدف إلى إيجاد التحوّل في المجتمع وزيادة أواصر الوحدة والمحبة وترويج الرفاه الإنساني والمساهمة في تحقيق التضامن العالمي.


لذا فإننا ننظر إلى الاضطرابات الراهنة في العالم والظروف والأزمات المفجعة التي تمرّ بها الإنسانية على أنها مرحلة طبيعية من مراحل التطور العضوي التي تؤدي في نهاية الأمر بصورة حتمية إلى وحدة الجنس البشري ضمن نظام اجتماعي واحد حدوده هي حدود هذا الكوكب الارضي طبقاً لمشيئة الرحمن. فقد ذكر حضرة بهاءالله قبل أكثر من قرن: {إن رياح اليأس تهب من كل الجهات ويستشري الانقلاب والاختلاف بين البشر يوماً بعد يوم وتبدو علامات الهرج والمرج ظاهرة، فأسباب النظام العالمي الراهن باتت الآن غير ملائمة}[١٨]. وقد أكدت التجارب التى مرّت بها البشرية خلال القرن الماضي على صحة مقولة بهاءالله حيث أن النظام العالمي الحالي والتقدم الكبير الملحوظ في المجالات العلمية والتقنية لم تستطع أن تمنع نشوب الحروب أو توقف التعصبات بشتى أنواعها، ولكن يمكن تفسير هذا السلوك بأن الجنس البشري قد مرّ بمراحل من التطور تشبه المراحل السلوكية التي تصاحب عادة عهد الطفولة والحداثة في حياة الأفراد، وها هو يمرّ الآن في المرحلة الختامية من سنوات المراهقة ويقترب من سن الرشد التي طال انتظارها. يصوّر لنا بيت العدل الأعظم – وهو المؤسسة العليا في الدين البهائي – مستقبل البشرية تصويراً تفاؤليا حيث يتفضل: {ومهما حملت السنوات المقبلة في الأجل القريب من معاناة واضطراب، ومهما كانت الظروف المباشرة حالكة الظلام، فإن الجامعة البهائية تؤمن بأن في استطاعة الإنسانية مواجهة هذه التجربة الخارقة بثقةٍ ويقينٍ من النتائج في نهاية الأمر. فالتغييرات العنيفة التي تندفع نحوها الانسانية بسرعة متزايدة لا تشير أبداً إلى نهاية الحضارة الانسانية، وإنما من شأنها أن تطلق ”القدُرات الكامنة في مقام الانسان“ وتظهر ”سموّ ما قدّر له على هذه الارض“ وتكشف عن ”ما فُطِرَ عليه من نفيس الجوهر“}[١٩].


ولكن هناك عقبات ومشاكل عدة تواجه البشرية وعليها أن تتجاوزها وتتغلب عليها إذا ما أردنا أن نصل إلى ذلك اليوم المنشود المذكور في كتب الله وأنبيائه. فما جاء في تعاليم بهاءالله من شأنه أن يضع حداً لمشاكل وعقبات تتحدى البشرية قاطبة، وعلى رأسها آفة التعصب الديني. وما الإرهاب الذي بدأ بالتفشي والانتشار في الآونة الاخيرة إلا ظاهرة مرعبة لا تعدو أن تكون أكثر من إحدى تشنجات الرمق الأخير. فحقيقة الظاهرة وما يصاحبها من قتل وترويع وسفك دماء دليل على الإفلاس الروحي للإنسان. والواقع أن ما تقوم به هذه الحركات الدينية تسيء إلى ديانتها وجوهر تعاليمها أكثر من أي شيء آخر، بل وتقوّض القيم الروحية التي تسعى إلى تحقيق وحدة الجنس البشري. فلا سبيل إلى إزالة التعصب الديني سوى الترويج للتسامح الديني والإخاء والمحبة وتعديل المناهج الدراسية بحيث تتماشى مع قيم الوحدة والمحبة والتعايش ووضع حدود لأي تفسيرات خاطئة لكلام الحق وكبح جماح اولئك الذين يستغلون الدين لأغراض هي بعيدة عنها.


ثم آفة التفرقة العنصرية وهي عائق رئيسي أمام الوحدة، والعمل بها هو انتهاك فاضح لكرامة الإنسان وإخلال كبير بمبادئ حقوق الإنسان المعلنة في الإعلان العالمي لحقوق الانسان وانتهاك أيضاً لتعاليم جميع الأديان والدساتير الوطنية. كما أنها تقف حجر عثرة أمام تقدم الانسان ورقيّه. واذا ما أردنا أن نقضي على هذه المشكلة علينا الاعتراف بمبدأ وحدة الجنس البشري وتطبيقه في جميع دول العالم وهو ما تحدثنا عنه بالتفصيل في الفصل الثاني. كما أن الوطنية المتطرفة يجب أن تستبدّل بولاء أوسع وهو ولاء لكلّ العالم الانساني، لأن التطرّف يلغي الطرف الآخر بل ويحاول مسحه من الوجود وهو تصرّف يتسّم بالتكبّر والغرور وهو عائق كبير أمام الوحدة والمحبة ويولّد الشقاق والنزاع في المجتمع حيث أعلن بهاءالله : {ليس الفخر لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم}[٢٠].


كما نرى اليوم بأن الفجوة الواسعة بين الأغنياء والفقراء هي مصدر لمعاناة فئات كبيرة من المجتمع وغالباً ما كانت هذه الفجوة سبباً لاشتعال نار الحروب والفتن في العالم. ولهذا فإن الحل يتطلب تنفيذ جملة من الاتجاهات العملية والروحية والأخلاقية مبنية على أسس إنسانية بأن مساعدة الآخرين وخدمتهم هي التزام روحي وأخلاقي في الدرجة الأولى دعت إليه جميع الأديان، وبالتالي لا مجال لإيجاد مجتمع متماسك ومتّحد تكون فيه الهوة واسعة جداً بين الفقراء والأغنياء، بل من واجب الدول والأفراد مساعدة الفقراء والمحتاجين واعتبار ذلك واجباً أخلاقياً ووطنياً. هناك عشرات الآيات على لسان حضرة بهاءالله يثني ويبجّل من يقوم بمساعدة الفقراء منها: {لا تحرموا الفقراء عمّا أتاكم الله من فضله وإنه يجزي المنفقين ضعف ما أنفقوا إنه ما من إله إلا هو له الخلق والأمر يعطي من يشاء ويمنع عمّن يشاء وإنه لهو المعطي الباذل العزيز الكريم}[٢١]. وأيضاً : {ثم اعلموا بأن الفقراء أمانات الله بينكم، إياكم أن لا تخانوا في أماناته ولا تظلموهم ولا تكونن من الخائبين. ستسئلون عن أمانته في يوم الذي تنصب فيه ميزان العدل ويُعطى كل ذي حق حقه ويوزن فيه كل الأعمال من كل غني وفقير}[٢٢].


كما أن قضية تحرير المرأة ومساواتها بالرجل هو موضوع هام ومن متطلبات التقدم والرقي. إن إنكار هذا الحق ينزل الظلم بنصف سكان العالم، وإن أي معاملة تقوم على أساس دونية المرأة أو الحط من كرامتها أو حقوقها لا يمكن قبولها تحت أي ذريعة، فكلاهما جناحان لطير واحد ويعملان معاً من أجل تقدم ورقيّ الإنسانية وليس هناك أي دليل ديني أو أخلاقي أو بيولوجي يبرّر إنكار حقوقها. ولن يستقر المناخ الخُلقي والنفسي في المجتمع إلاّ عندما تدخل المرأة بكل ترحاب إلى سائر ميادين النشاط الإنساني كشريكة كاملة للرجل. وحول هذا الموضوع ذكر حضرة عبدالبهاء:

{ إن العالم الإنساني أشبه بطير له جناحان أحدهما الرجال والآخر النساء، وما لم يكن الجناحان قويين تؤيدهما قوة واحدة فإن هذا الطير لا يمكن أن يطير نحو السماء. ويقتضي هذا العصر ارتقاء النساء فيقمن بوظائفهنّ كلها في مدارج الحياة ويكونَّن مثل الرجال ويجب أن يصلنّ إلى درجة الرجال ويتساوين في الحقوق معهم }[٢٣].


وموضوع التعليم الإجباري والعمومي هو أيضاً من القضايا الهامة التي تساعد على محو الأميّة وزيادة الثقافة والتقدم في المجتمع. وبالعلم وحده تستطيع الدول أن تتقدم وتبني حضارة ومدنية، فلا نجاح لأية أمة دون أن يكون العلم من حق كل مواطن فيها، ولكن انعدام الموارد والمصادر يحدّ من قدرة العديد من الأمم على سدّ هذه الحاجة ولكن يبقى التعليم له الأولوية على أي أمر آخر وعلى الأخص تعليم النساء والبنات لأن المعرفة تنتشر عن طريق الأم المتعلمة وستبقى هي المربية الأولى للطفل.


ما ذُكرَ كان بعضاً من القضايا الرئيسية التي تواجه البشرية جمعاء وتحتاج إلى حلّ سريع ونافذ لها. ويمكن للجميع مدّ يد المساعدة لتحقيق هذه الأفكار بل المساهمة الفعلية عن طريق المبادرات الفردية التي غالباً ما تواجه بتشجيع من منظمات المجتمع المدني. فلا تصلح الأمور إلاّ إذا قام الإنسان منفرداً بنفسه وبعزيمة ثابتة راسخه بالمساهمة في إصلاح المجتمع. فالأفراد ومبادراتهم هي التي تشجع الحكومات على المضي قُدُماً في الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.


أما على مستوى الدول والقادة فقد دعا حضرة بهاءالله قبل أكثر من قرن ملوك الأرض وحكامها إلى عقد اجتماع عمومي لوضع أساس السلام العظيم وإنهاء الحروب إلى الأبد. وقد شرح حضرة عبدالبهاء آلية تطبيق ذلك بقوله:

{ عليهم أن يطرحوا أَمر السّلام على بساط المشورة العامّة، وأَن يسعوا بكلّ وسيلة مُتاحة لهم إلى تأسيس اتِّحادٍ يجمع دول العالم. وعليهم توقيعُ مُعاهدة مُلْزِمة للجميع، ووَضْعُ ميثاق بنوده مُحدَّدة، سليمة، وحصينة. وعليهم أن يُعلنوا ذلك على العالم أجمع وأن يُحرِزوا موافقة الجنس البشريّ بأسره عليه. فهذه المهمّة العُليَا النّبيلة – وهي المصدر الحقيقي للرفاهية والسّلام بالنّسبة للعالم كلّه – يجب أن يَنْظُرَ إليها جميع سكان الأرض على أَنَّها مهمّةٌ مقدَّسة، كما ينبغي تسخير كلّ قوى البشريّة لضمان هذا الميثاق الأعظم ولاستقراره ودوامه. ويُعيِّن هذا الاتفاقُ الشّاملُ بتمام الوضوح حدودَ كلّ دولة من الدّول وتُخومَها، ويَنُصّ نهائيّاً على المبادئ التي تقوم عليها علاقات الحكومات بعضها ببعض. ويُوثِّق أيضاً المُعاهدات والواجبات الدّوليّة كلّها. وبالأسلوب ذاته يُحدِّد بكلّ دِقَّة وصَرامة حَجْمَ تسلُّح كلّ حكومة، لأَنَّ السّماح لأيّة دولة بزيادة جيوشها واستعداداتها للحرب، يثير شكوك الآخرين. والمبدأ الأساسي لهذا الاتِّفاق الرّصين يجب أن يكون محدَّداً بحيث إذا أَقدمت أيّ حكومة فيما بَعْدُ على انتهاك أي بندٍ من بنوده، هَبَّت في وجهها كلّ حكومات الأرض وفرضت عليها الخضوع التّامَّ، لا بل إٍنَّ الجنس البشريّ كلّه يجب أن يعقد العزم، بكلّ ما أُوتِي من قوّة، على دَحْر تلك الحكومة. فإِذا ما اعْتُمِدَ هذا الدّواء الأعظم لعلاج جسم العالم المريض، فلا بدَّ أَن يبرأ من أسقامه ويبقى إلى الأبد سليماً، مطمئناً، مُعافى }[٢٤]

.

إذاً فالسلام العالمي لا يأتي من فراغ وإنما بحاجة إلى جهود مكثفة على مستوى الأفراد والمؤسسات والدول من أجل المساهمة في عقد هذا الاجتماع العظيم الذي ذكره حضرة عبدالبهاء والذي طال انتظاره وهو أمل البشرية وليس ضرباً من ضروب الخيال وإنما الإكليل المتوّج لكافة الجهود من أجل إحلال السلام والاتحاد في العالم، وعلامة على سطوع فجر بلوغ الإنسانية نضجها. من المؤكد أن هذا الاجتماع – إن انعقد – فإنه سيخرج بنتائج باهرة وتاريخية وسيذكره الزمن، وما من قوة تجعله ناجحاً سوى قوى الوحدة والاتحاد والنوايا الصافية والرغبة الصادقة في إيجاد سلام حقيقي. ليدرك الرجال والنساء والشباب والاطفال أن هذا الحدث سيسجله التاريخ بأحرف من نور لما له من أهمية قصوى في سبيل تعزيز السلام في العالم. الأمل أن يساهم كل قادة الدول في الدعوة إلى هذا الاجتماع العالمي، ويرفع الجميع صوته بالموافقة والتأييد اللامحدود للتسريع في عقد هذا الاجتماع التاريخي الذي أشار إليه حضرة عبدالبهاء قبل أكثر من مائة عام. عسى أن يكون هذا الجيل أول من يفتتح هذه المرحلة المجيدة من مراحل تطور حياة المجتمع الإنساني.


إن جوهر هذا المجتمع العالمي الموحّد وعموده الأساسي مبدأ “الوحدة والاتحاد في التعدّد والتنوع” والمشهود اليوم في المجتمع البهائي العالمي المترامي الأطراف ما هو إلاّ نموذجاً مصغراً لهذا المبدأ الذي يعكس وحدة البشرية في الآمال والتطلعات وهو أينع ثمرة لتعاليم بهاءالله ودليل على صدق دعوته التي وحدّت شعوب وقبائل العالم على اختلاف أعراقها ومشاربها تحت خيمة واحدة، وهي ظاهرة فريدة من نوعها لم يشهد لها العالم مثيلاً. وبعد أكثر من قرن ونصف من إعلان رسالته نرى بأن المجتمع البهائي اليوم يضم عدة ملايين من البشر يمثلون تقريباً كل خلفية إثنية وثقافية واجتماعية على وجه الأرض وتدير شؤونهم مؤسسات انتخبت انتخاباً حراً وديمقراطياً ونزيهاً اتّسمت بسمة القدسية دون تدخل من أي فرد صاحب منصب أو نفوذ، وجميعهم مستظلون في ظل تعاليمه السمحة التي أتى بها لهذا اليوم. ولعلّ الشواهد والحقائق تشير إلى تغلغل نفوذ كلامه في أكثر المجموعات البشرية تنوعاً وأوسعها انتشاراً من الناحية الجغرافية وذلك بفضل رسالته التي تبعث على التغيير.


ومن السمات الخاصة للدين البهائي أيضاً أنه حافظ على وحدته وتماسكه منذ نشأته ولم يصبه تمزق أو تشعب، وظل مرجع الدين واحداً وعهده وميثاقه متيناً رغم هجوم الأعداء وكيد الخصماء والتحديات العديدة التي واجهته، وهي حالة فريدة من نوعها أيضاً بين تاريخ جميع الأديان ولربما كان الدين الوحيد الذي لم يتشعب. فالمجتمع البهائي بكل تنوعه ليس إلا أفراداً يؤمنون بالرسالة السماوية التي أتى بها بهاءالله، ومتحّدون في ولائهم للنظام الإداري لدينهم الذي وضع لإدارة شئونهم، وهو نظام لا مثيل له بين أنظمة العالم المختلفة، يستمدون هدايتهم من مرجع أعلى واحد وهو بيت العدل الاعظم الذي يمثل نموذجاً للولاء والطاعة لما لهذا المرجع من قدسية خاصة لدى عموم البهائيين في العالم.


[٣١]

وللوصول إلى هذه الأهداف السامية يجب التركيز على مفهوم أن النجاح في أي عمل يجب أن يقوم على مبدأ الوحدة والاتحاد. إن جوهر الأزمة الراهنة للحضارة الانسانية هو ابتعادهم عن هذا المبدأ الهام. فنشاهد مظاهر عدم الاتحاد في كل مكان وقد أصابت الإرادة السياسية بالشلل وأضعفت الرغبة الجماعية في التحول والتغيير وأصابت العلاقات الاجتماعية بالخلل. بالإضافة إلى ذلك فإن الإيمان بوحدة الجنس البشري والعمل به هو العلاج الشافي لأمراض العالم وأساس السلام العالمي، ومن مظاهر تعزيزه هو إحياء الدين والتركيز على أنه العنصر الهام في إيجاد الأخوة الحقيقية لبني البشر، وهو ما جاء بهاءالله من أجله. وقد أشار حضرته بأن الدين {السبب الأعظم والوسيلة الكبرى لظهور نيّر الاتحاد واشراقه}[٢٥]. وأضاف قائلاً: {كل ما يشاد على هذا الأساس لا تزعزعه حوادث الدنيا ولا يقوض أركانه مدى الزمان}[٢٦] لقد دعا حضرته إلى إيجاد مجتمع عالمي موحّد يعكس وحدة الجنس البشري وهي الخطوة الأولى والقاعدة الأساسية للمدينة الفاضلة التي حلمَ بها أولو العلم والنُهى، بل هي جوهر الحضارة الإلهية المرتقبة في هذا اليوم الموعود.


إن هذا المشهد الرائع يدعونا للتأمل ملّياً فيما تذكره الكتب السماوية. إنها تبشّر الناس بوصول الإنسانية في عصر ما لمرحلة البلوغ والنضج وإلى العصر الذي سيظهر فيه من وَعَدَه الرحمن لبني الإنسان عندما {أشرقت الأرض بنور ربها}[٢٧]. وهو العصر الذي تكون فيه مشيئة الله {كما في السماء كذلك على الأرض}[٢٨] إنه العصر الذي لم تشهد له الإنسانية مثيلا ولم يتصوّره عقل أو يصفه لسان، وكما جاء في القرآن الكريم :{يوم نطوي السماء كطيّ السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا انا كنا فاعلين}[٢٩] وما من شك بأن جميع الرسالات السماوية المتعاقبة قد هيأت البشرية لاستقبال هذا اليوم الموعود والحدث الخطير الذي أشار إليه الإسلام بيوم القيامة والنبأ العظيم وفيه تتجدّد حياة العالم وتتغير تماماً {ويأتِ بخلق جديد}[٣٠]. لقد شرع حضرة بهاءالله في تنفيذ هذه المهمة العظيمة وجاء بالتعاليم والمبادئ والوسيلة الفاعلة القادرة على تشييد ملكوت الله على الأرض وتأسيس السلام العالمي الذي هو مطمح آمال البشرية. وقد وهب الله سكان الأرض المواهب والقدرات والخيرات اللازمة لتنفيذ مشيئته تعالى. وما ملكوت الله إلا حضارة عالمية أساسها مبادئ العدالة الاجتماعية والسلام تدعمها الإنجازات الروحية والفكرية والعلمية التي حققها وسيحققها البشر على نحو لا يمكن للعصر الحاضر أن يتخيله، وبهذا الخصوص تفضل حضرة بهاءالله قائلاً:{اليوم يوم الفضل الأعظم والفيض الأكبر وعلى الجميع أن يجدوا الراحة والاطمئنان بتمام الاتحاد والاتفاق في ظل سدرة العناية الإلهية … فلسوف يُطوى بساط هذا العالم ويُبسط بساط آخر …}[٣١]




%
تقدم القراءة
- / -