الدين البهائي

حضرة بهاء الله
صاحب الرسالة الإلهية (١٨١٧-١٨٩٢)

مغادرة حضرة بهاء الله لبغداد

مغادرة حضرة بهاء الله حديقة الرضوان وصف حضرة شوقي أفندي -ولي أمر الله- مغادرة حضرة بهاء الله حديقة الرضوان وصفا خلّد فيه تلك الذكرى حيث تفضل:


"كان رحيل حضرة بهاء الله من حديقة الرضوان ظهر اليوم الرابع عشر من ذي القعدة سنة ١٢٧٩هـ (الموافق للثالث من شهر أيار ١٨٦٣م). ولقد شهد هذا اليوم مناظر من الحماسة الفياضة الجيّاشة لا تقل روعة ولا تحريكا للمشاعر عن تلك الحماسة يوم غادر بيته الأعظم في بغداد، إن لم تفقها. وفي ذلك كتب شاهد عيان يقول: (في هذه المناسبة رأينا بأعيننا فزع يوم النشور ويوم الحساب. كان الحبيب والغريب يبكي وينوح. وعجب الأكابر والرؤساء الذين احتشدوا، وتحركت المشاعر بصورة يعجز عن وصفها اللسان، ولا يمكن للمشاهد أن يهرب من عدواها). ركب حضرة بهاء الله جوادا مطهما أصيلا كميت اللون من أكرم السلالات، كان خير ما استطاع أحباؤه شراءه له. وخلف وراءه حشداً راكعاً من المعجبين المشتعلين. وانطلق في أول مرحلة من رحلته إلى الآستانة. وكتب النبيل [مؤرخ الدين البهائي] الذي شاهد بعينه هذا المشهد الخالد قال: (ما أكثر الذين ركعوا للغبار الذي أثاره جواده وقبّلوا سنابكه، وما أكثر الذين اندفعوا ليحتضنوا ركابه!) كما شهد أحد رفاق السفر قائلا: (ما أكثر الذين كانوا هم الإخلاص بعينه فألقوا بأنفسهم بين يدي الجواد مفضلين الموت على مفارقة محبوبهم! حتى لكأني بالجواد المبارك يسير على هذه الأجساد ذات القلوب الطاهرة). وصرح حضرة بهاء الله بقوله: (هو وحده [أي الله] الذي مكّنني من أن أغادر المدينة [بغداد] بجلال لا ينكره إلا الجاحد اللئيم)".[۱]


الرحيل إلى الآستانة

بينما كان حضرة بهاء الله يهمّ بمغادرة حديقة الرضوان تعالى صوت المؤذن ينادي "الله أكبر"، وتردد صدى هذه الكلمات مرة أخرى في المنطقة كلها، فقد استقبل حضرته بمثلها لدى وصوله الحديقة. وكان يحيط به آنذاك جمهور غفير من الناس، بمن فيهم غير المؤمنين به، جاءوا للإعلان عن ولائهم وإجلالهم لشخصه الكريم للمرة الأخيرة، فساروا في ركابه يحيطون به وهو يمتطي صهوة جواده للرحيل.


وكان هناك رجل يدعى الشيخ عبد الحميد يكنّ لحضرة بهاء الله محبة عظيمة. ولم يكن الشيخ عبد الحميد من المؤمنين بالدين الجديد، بل كان مسلما، إلا أن تعلقه بحضرة بهاء الله لم يكن يحدّه حدود. وكدليل على ما كان يبديه الشيخ عبد الحميد من الاحترام لحضرة بهاء الله رافق الركب المبارك أثناء خروجه من بغداد وذلك بأن ركض أمام الجواد الذي كان يمتطيه حضرة بهاء الله مسافة عشرة أميال. وقد اعتنق الأمر الإلهي فيما بعد أحد أبنائه المدعو "الشيخ محمد العرب"، وهو الذي سار بعد ذلك ببضع سنوات مشيا على الأقدام طول الطريق إلى مدينة عكاء، وتشرف بالمثول بين يدي حضرة بهاء الله، ومن ثم سافر إلى بلاد فارس حيث قام على خدمة أمر الله بصورة متميزة في حقل التبليغ.


وممن رافق حضرة بهاء الله في سفره من أصحابه البارزين ميرزا آقا الكاشاني الذي لقّبه حضرته فيما بعد بـ"اسم الله المنيب"، كان قد انجذب للدين البابي وهو شاب وانضم إلى صفوف البابيين. وكان والده تاجرا معروفا في كاشان وشديد العداء للدين الجديد، وبمجرد علمه بإيمان ولده قرر قتله. وفي أحد الأيام اصطحب ابنه إلى مكان مهجور قرب البلدة، وكان على وشك تنفيذ خطته المشؤومة، إلا أن ابنه أقنعه أن البابيين في كاشان سوف لا يسكتون على هذه الجريمة، ولا بد أن يعاقبوه عليها. اقتنع والده بذلك وتركه في سبيله شريطة أن يغادر منزل والده نهائيا.


سافر المنيب إلى بغداد بعد هذه الحادثة المأساوية وتشرف بمحضر حضرة بهاء الله الذي سمح له بالبقاء بعض الوقت. كان شاباً ناضجاً حاد الذكاء نافذ البصيرة، وسيما ذا شخصية جذابة، مثقفاً وخطاطاً متميزاً وشاعراً موهوباً. وبهذه الشخصية النورانية المشحونة بطاقة روحانية هائلة استحق فيض الرسالة الإلهية. فامتلأ قلبه عشقاً لحضرة بهاء الله وكرّس كل طاقاته وأفكاره لخدمة مولاه. اعتاد أن يعيش وحيداً في منزل متواضع يأكل من الطعام ما يؤوده، ويقضي وقته في نسخ الآثار المباركة. وتميزت كتاباته بأسلوب سلس ملهم نبّاض بالحياة إلى جانب مواهبه التبليغية الرائعة.


وبعد أن أمضى المنيب في بغداد فترة من الوقت، أرسله حضرة بهاء الله حوالي عام ١٨٥٩م إلى بلاد فارس حيث زار الأحباء في طهران وقزوين وتبريز ثم عاد إلى بغداد وبقي هناك وشهد أيام الرضوان. وعندما تشرف بمرافقة حضرة بهاء الله إلى الآستانة، فضّل أن يقطع الطريق سائراً على قدميه بدل مرافقة مولاه راكباً. ويذكر حضرة عبدالبهاء كيف أنه كان مع المنيب يمشيان في كثير من الليالي على جانبي الهودج الذي كان يقلّ حضرة بهاء الله. ومما كان يجلب السرور إلى قلبه ويعتز به حمله قنديلاً يسير به أمام الهودج.


رافق حضرة بهاء الله إلى الآستانة أفراد عائلته ومنهم آقاي كليم وميرزا محمد قلي -أخواه الوفيان- وستة وعشرون من أتباعه. وكما ذكر سابقا فقد التحق بالقافلة أثناء الطريق النبيل الأعظم وميرزا يحيى.


وصف حضرة شوقي أفندي هذه الرحلة إلى الآستانة بالكلمات التالية:


"وكانت القافلة تتكون من خمسين بغلا وعشرة فرسان عليهم قائدهم، وسبعة أزواج من الهوادج يظلل كل زوج منها أربع مظلات، فشقت طريقها مجتازة النجاد والوهاد والأحراش والوديان والمراعي التي تؤلف فيما بينها مناظر الأناضول الشرقية الخلابة. وظلت كذلك إلى أن بلغت صامصون على البحر الأسود بعد مائة يوم وعشرة أيام. وكان حضرة بهاء الله يركب الجواد أحيانا، ويستريح أحيانا أخرى في هودجه الذي كان أصحابه يحفّون به سيراً على الأقدام. وبفضل أمر نامق باشا كان الولاة والحكام والمديرون والشيوخ والمفتون والقضاة ورجال الحكومة وأكابر الأقاليم التي يمرون بها أثناء رحيلهم شمالاً في أوائل الربيع يستقبلونه بالترحيب الحار. ففي كركوك وأربيل والموصل حيث مكث ثلاثة أيام، وفي نصيبين وماردين وديار بكر، حيث توقف يومين، وفي خربوط وسيواس وكثير غيرها من القرى والدساكر خرجت الوفود للقائه قبل وصوله. كما كانت الوفود تخرج مسافة طويلة لوداعه. أما الولائم التي كانت تقام تكريما له في بعض المراحل، والطعام الذي كان القرويون يعدونه ويقدمونه بين يديه، والشوق الذي كانوا يظهرونه المرة تلو الأخرى لتهيئة كل وسائل الراحة فكانت تعيد إلى الذاكرة ذلك الإجلال والتكريم الذي كان أهل بغداد يخصونه به في كثير من الظروف والمناسبات."[۲]


إن الذين قطعوا الصحارى والوديان والجبال في الشرق الأوسط على ظهور البغال والخيول يدركون مدى بطء السير وما يساور المسافر من ملل. وقد لا يصادف المسافر لأميال عدة أي أثر للحياة. ولم يكن بمقدور أفراد القافلة على الغالب أن يتكلموا مع بعضهم البعض بسهولة، وفي ظروف كهذه لا يجد المرء أكثر إنعاشا للروح من سماع صوت عذب يشدو بترتيل جميل. ذلك كان صوت المنيب الذي شنّف الآذان بقصائد غنائية وأشعار متنوعة يتردد صداها في الحقول الواسعة والجبال المرتفعة من تركيا، فكانت تجلب السعادة والراحة لكل من كانوا برفقة حضرة بهاء الله. كانت قصائده كلها تحكي عن عشقه لمولاه، وأما مناجاته التي كان يتلوها في جوف الليل فقد كانت تحكي عما يجيش في قلب المنيب من شوق إلى مولاه.


واستمر الناس طوال الطريق حتى وصول القافلة إلى ميناء صامصون يبدون مظاهر التبجيل والاحترام تجاه حضرة بهاء الله. ومن هناك توجه بحراً إلى الآستانة. وعن ذلك كتب حضرة شوقي أفندي في "كتاب القرن البديع" ما يلي:


"وفي صامصون زاره كبير مفتشي الولاية الممتدة من بغداد إلى الآستانة يصحبه عدد من الباشوات، وأبدوا له غاية الاحترام والإجلال، فدعاهم إلى مائدته لتناول الغداء، وكما تنبأ في لوح ملاح القدس، ركب سفينة تركية بعد سبعة أيام. وبعد ثلاثة أيام أخرى، في ظُهر غرة ربيع الأول سنة ١٢٨٠ للهجرة (الموافق ١٦ آب سنة ١٨٦٣م) نزل في ثغر الآستانة هو ومن معه من رفاق المنفى. وركب هو وأسرته عربتين خاصتين كانتا في انتظاره على مرسى الميناء. وتوجه إلى دار شمسي بك الموظف الذي انتدبته الحكومة ليرحب بضيوفها. وكان منزله مجاورا لمسجد "خرقة شريف" إلا أنهم انتقلوا بعد ذلك إلى بيت ويسي باشا القريب من مسجد السلطان محمد. وكان منزلا أرحب وأوسع.


ببلوغ حضرة بهاء الله الآستانة عاصمة الإمبراطورية العثمانية ومقر الخلافة الإسلامية (ويكنّيها المسلمون "قبلة الإسلام" ويصفها حضرة بهاء الله بالبقعة التي استقر فيها "كرسي الظلم") يمكننا أن نقول أن أنكد فصل وأقساه بل أمجد فصل من القرن البهائي الأول قد ابتدأ فعلا. نعم، لقد ابتدأت فترة اختلطت فيها الامتحانات التي لم يسبق لها مثيل، والحرمان الذي يجل عن الوصف، بأنبل الانتصارات الروحية وأكرمها، وأوشكت فيها شمس حضرة بهاء الله أن تبلغ سمت الزوال. واقتربت فيها أخطر سنوات عصر البطولة المجيد من دورته.


%
تقدم القراءة